هوامش
يسألونك عن مواقع التواصل، قل فيها إثم كبير ومنافع أحيانًا، وإثمها أكبر من نفعها، قد تضر ولا تنفع، تسلى ولا تشفع، بعض الكلام لا يسمن ولا يغنى من معرفة، ترديد بلا وعى، المهم السبق وهوس الترند وما أدراك ما الترند، سباق محموم عن حدث مشئوم أو معلومة زائفة تفضى إلى شائعة تنعكس سلبًا على المجتمع.
فى عصر السرعة والرقمنة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد، بل تحولت إلى المصدر الأول للمعلومة والرأى العام، متقدمة على الصحافة التقليدية ووسائل الإعلام الرسمية. ولكن، هذا الانفتاح الرقمى الهائل لم يخلُ من سلبيات قاتلة، خاصة عندما تسللت الفتن والشائعات إلى عقول غير مدركة لخطورة الكلمة وتأثيرها.
لم تعد الشائعات تخرج من المقاهى أو الدكاكين كما فى الماضى، بل أصبحت تنتشر بسرعة البرق عبر تطبيقات مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«تيك توك»، وتلقى آلاف المشاركات والتعليقات قبل أن يُدرك البعض أنها محض أكاذيب أو أخبار مفبركة. الكارثة الكبرى أن كثيرًا من مستخدمى هذه المنصات يشاركون ما يصل إليهم دون وعى أو تحقق، فيسهمون دون قصد فى ترويج أخبار مغلوطة قد تثير الذعر أو تؤجج الصراعات المجتمعية والطائفية.
لقد أصبحت مواقع التواصل مرتعًا لصفحات مأجورة ومجهولة الهوية، تحترف الاصطياد فى المياه العكرة، وتوظف التكنولوجيا فى تضليل الشعوب، وزرع الفتن، وضرب النسيج الوطنى فى مقتل. وكم من فتنة اشتعلت من مجرد «بوست» غير مسئول، وكم من معلومة كاذبة هزت ثقة الناس فى مؤسساتهم، أو شغلت الرأى العام فى قضايا مفتعلة لصرف الانتباه عما هو أهم وأخطر.
غياب الوعى الرقمى، وسهولة تزييف الصور والفيديوهات، وتحكم الخوارزميات فيما نراه ونسمعه، كلها عوامل أسهمت فى تحويل الفضاء الرقمى من ساحة نقاش حر إلى «حلبة فتنة» وسلاح يُستخدم للإضرار بالأمن القومى، وتأليب الناس بعضهم على بعض، أو على مؤسسات الدولة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع المدنى والمؤسسات الإعلامية والتعليمية، لتكثيف حملات التوعية الرقمية، وتعليم الأجيال كيف يتعاملون مع المعلومات، ويتحققون من صحتها، قبل نشرها أو تصديقها. كما يجب سن تشريعات أكثر صرامة لمواجهة الحسابات المزيفة ومنصات الفتنة، ودعم الإعلام الوطنى المهنى المسئول، القادر على تقديم المعلومة الموثقة وتحليل الأحداث بعيدًا عن الإثارة والتضليل.
علينا أن ندرك أن التكنولوجيا فى حد ذاتها ليست شرًا، ولكن استخدامها الخاطئ من قبل بعض الأفراد هو ما يجعلها خطرًا داهمًا. فالكلمة، حين تخرج دون وعى، قد تقتل أو تدمر أو تشعل حربًا، خاصة فى زمن اللاحدود واللاقيود.