رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي الذي لا يزال اسمه مرتبطًا بتحولات جذرية شهدتها تركيا في العقدين الأخيرين، هو سياسي لا يمكن فهم مشروعه دون تأمل الحلم والدافع الأكبر الذي يُحرّكه: استعادة المجد العثماني المفقود. فمنذ وصوله إلى الحكم، سواء كرئيس للوزراء (2003-2014) أو كرئيس للجمهورية منذ عام 2014، بدا واضحًا أن أردوغان يحمل مشروعًا يتجاوز الحدود الاقتصادية والتنموية، بل ويغوص في عُمق التاريخ والهوية والطموحات الجيوسياسية.
إن مشروع "العثمانية الجديدة" ليس مجرد شعار، بل رؤية سياسية وثقافية تبناها أردوغان منذ بدايات حكمه، وخصوصًا مع صعود نفوذ حزبه "العدالة والتنمية". يسعى هذا المشروع إلى إعادة إحياء النفوذ التركي في المناطق التي كانت يومًا ما ضمن الدولة العثمانية، سواء في البلقان أو الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا. وظهر ذلك جليًا في تدخلات أنقرة في سوريا، ليبيا، وأذربيجان، إضافة إلى علاقاتها المُتشابكة مع قطر ودول أخرى.
يرى أردوغان في الإسلام عنصراً مُوحّداً ومصدرًا للقوة، في مقابل الإرث الأتاتوركي الذي حاول نزع الطابع الديني عن الدولة. ومن خلال توظيف رموز إسلامية وتاريخية، مثل تحويل متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد عام 2020، أعاد أردوغان رسم صورة تركيا كدولة ذات هوية إسلامية مُحافظة، تتطلع إلى قيادة العالم الإسلامي، أو على الأقل أن تكون مركز ثقله.
لم يكن الحلم العثماني مجرد شعارات، بل ارتبط بخطط اقتصادية طموحة، من مشاريع بنية تحتية عملاقة، إلى محاولات لجعل تركيا مركزًا عالميًا للطاقة. ومع ذلك، واجهت هذه السياسات تحديات كُبرى، خصوصًا في السنوات الأخيرة، مع أزمة الليرة التركية، وارتفاع التضخم، وموجات الغضب الشعبي التي بدأت تظهر في صناديق الاقتراع.
رغم أن أردوغان نجح في إعادة تركيا إلى دائرة الضوء، إلا أن طريقه نحو "المجد المفقود" محفوف بالمخاطر والصعوبات. فبين الطموح الإمبراطوري التوسعي والتحديات الداخلية، تقف تركيا اليوم أمام مُفترق طُرق: هل تواصل السعي نحو حلم عثماني بصبغة حديثة؟ أم تعيد ترتيب أولوياتها في ظل متغيرات عالمية وإقليمية متسارعة؟
يُعد رجب طيب أردوغان سياسي من طراز خاص، جمعَ بين الكاريزما الشعبية والحنين إلى التاريخ. إن حلمه بالمجد العثماني ليس مجرد نزعة رومانسية، بل مشروع مُتكامل يعيد تعريف تركيا ودورها في العالم وفي الشرق الأوسط. لكن هذا الحلم، كما هو حال كل مشروع طموح، يواجه اختبارات صعبة قد تحدد مصيره ومصير تركيا لعقود قادمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض