مع اقتراب دور الانعقاد الخامس للبرلمان بغرفتيه من الانتهاء، تبرز إلى السطح قضايا جوهرية ما زالت محل جدل لم يحسم بعد. وعلى رأس تلك القضايا: كيف ننتج برلماناً يعبر حقاً عن إرادة الشعب وتنوعه؟ الإجابة تبدأ من النظام الانتخابى، وتمر بالتقسيم العادل للدوائر، وتنتهى عند مدى قدرتنا على ترجمة النصوص الدستورية إلى واقع سياسى فعال كأحد أهم مفاتيح بناء برلمان قوى يعبر بصدق عن الإرادة الشعبية والتنوع المجتمعى.
أى إصلاح وتعديل انتخابى لا يستند إلى أسس علمية ودستورية واضحة سيكون مهدداً بإعادة إنتاج اختلالات الماضى، سواء على مستوى التمثيل أو الأداء البرلمانى، ما يقوض ثقة المواطنين فى المؤسسات النيابية. والدستور المصرى، فى مادته 102، أرسى مبدأ التمثيل العادل للسكان والمحافظات، كما أن المحكمة الدستورية العليا وضعت معادلة علمية لضمان تكافؤ الأصوات تضمن أن يكون لكل صوت نفس القوة والتأثير. وتراعى التوازن بين عدد السكان والناخبين وعدد المقاعد الفردية. وهنا التقسيم العادل للدوائر يظل ركناً أساسياً فى هذه المعادلة. والواقع الحالى يقتضى مراجعة دورية للدوائر، تراعى التطورات الديموغرافية، وتحافظ على التوازن بين الحضر والريف، مع احترام الحدود الإدارية وعدم تفصيل الدوائر لخدمة قوى سياسية بعينها.
العدالة الانتخابية ليست شعاراً إنشائياً، بل هى التزام دستورى صريح، إلا أن تحقيق هذه العدالة لا يتم بالأرقام وحدها، بل أيضاً عبر نظام انتخابى يعكس طبيعة المجتمع المصرى وتركيبته السياسية والاجتماعية. لذلك المراجعة الدورية للتقسيم الانتخابى كل خمس إلى عشر سنوات ضرورة حيوية لمواكبة التغيرات السكانية والاجتماعية.
المشهد السياسى المصرى حالياً يشهد اختلافاً ملحوظاً بين القوى والأحزاب حول النظام الانتخابى الأمثل، بين من يفضل النظام الفردى، ومن يدعو إلى القائمة النسبية أو القائمة المطلقة المغلقة. ورغم تباين هذه الرؤى، فإن هذا الاختلاف يعد ظاهرة صحية تعبر عن حالة من الحراك السياسى والتعدد فى التصورات حول المستقبل الديمقراطى للبلاد. وهو امتداد طبيعى لحالة الانفتاح التى أطلقها الحوار الوطنى، حيث أتيحت الفرصة لمختلف الأطياف السياسية للتعبير عن مواقفها بحرية، وطرح تصوراتها لإصلاح المنظومة الانتخابية. إن تعدد الآراء يجب ألا ينظر إليه كحالة انقسام، بل كجزء من نضج التجربة السياسية المصرية، وفرصة لبناء توافقات واقعية تراعى الدستور وتطلعات المجتمع، وتفضى فى النهاية إلى نظام انتخابى أكثر عدالة وشمولاً.
أما النظام الانتخابى بحد ذاته، فهو لا يقاس فقط بجودة نصوصه، بل بقدرته على التعبير عن الواقع السياسى والمجتمعى، وعلى ضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين والناخبين على حد سواء. والمهم هو أن يصاغ هذا النظام بما يحقق التوازن بين مختلف الاعتبارات الدستورية والعملية، ويضمن أن يكون البرلمان القادم انعكاساً حقيقياً لإرادة المصريين. والأهم أن أى نظام يتم التوافق عليه وإقراره يجب أن يمنح الأحزاب فرصة لتشكيل قوائم قوية، تعكس تنوع المجتمع، وتطرح برامج حقيقية، بعيداً عن الشخصنة والوجاهة.
بناء الجمهورية الجديدة يتطلب أدوات سياسية جديدة ونظاماً انتخابياً يتماشى مع طبيعة الواقع، لا مستورداً من تجارب لا تشبهنا. وينبغى أن يكون النظام الانتخابى ليس الأنسب فنياً فقط، بل الأكثر اتساقاً مع مرحلة نسعى فيها إلى تشكيل برلمان يمثل الدولة والمجتمع، لا الأفراد فقط. إن الفرصة قائمة، والتحدى كبير، والطريق واضح نحو برلمان يشبه مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض