أوراق مسافرة
سياسة النعام لدفن الرءوس فى الرمال اعتقاداً أنها الحماية لهى أفشل أساليب الاحتماء من الخطر، المواجهة أى كانت عواقبها هى أفضل طرق العلاج من التهديدات والأخطار وكل المساوئ، لذا على كل مسئول قابع على صدر وزارة أو قيادة مؤسسة أو مصلحة من مصالح الدولة المتعلقة بالمواطنين أن يحتمل مواجهته بالأخطاء والعوار الذى تضج به المنظومة التى يقودها، عليه ألا يكابر ويدافع عن باطل ولا يعتبر كشف العيوب والنقد حرباً شخصية ضده، بل هى حرب ضد الفساد والفشل، حرب من أجل الإنقاذ من الهدم والتخريب، من أجل وطن نحلم جميعاً بأن يصير أجمل بلدان العالم، من أجل شعب احتمل وصبر كثيراً حتى مل الصبر منه، شعب يستحق أن يتم معاملته بآدمية واحترام مهما كان موضع هذا المواطن فى الحياة أو انتمائه لأى فئة، شعب ضحى بأبنائه فى حروب وثورات من أجل عيش كريم وحرية وعدالة، شعب يتحسر وهو يرى دول ليس لها دين تتعامل مع مواطنيها بكل احترام وتقدير وإنسانية وتكفل له حقوقه كاملة دون أى تمييز وهو ما أوصت به الأديان السماوية.
وحين تحدثت فى مقالاتى السابقة عن منظومة الصحة وما بها من عيوب وعوار، فمؤكد أن اللوم يعود أيضاً على دور وعمل كل مسئول وقائم على تلك المنظومة ولا أعفى أحداً منهم، لأنهم سيسألون جميعاً أمام الله، وإن لم ينالوا عقابهم على التقصير وغياب الضمير فى الدنيا سينالونه من الله فى الآخرة، وأنتقل إلى قطاع التعليم، وأجدنى أردد هنا كلام اهترأ من كثرة طرحه حول المدارس ونظام التعليم الفاشل بها، وتسرب الأولاد من حصص المدرسة وعدم اعتدادهم بمعدلات الحضور والغياب، لأنهم لا يستفيدون شيئاً من المدرس الذى يوفر جهده للدروس الخصوصية، تلك التى يهرع إليها التلاميذ والطلاب أنفسهم بعد تسربهم من حصص المدرسة، أى المدرس هو نفس المدرس، الطلاب هم نفس الطلاب، ولكن فى المدرسة شىء، وفى الدرس الخصوصى شىء آخر.
لقد بُحت أصواتنا وكادت تفرغ أحبار أقلامنا ونحن نناشد وزراء التعليم الذين توالت وجوههم تباعاً علينا ومن يليهم فى المسئوليات بوضع حد نهائى للدروس الخصوصية، بإغلاق تلك السناتر التى صارت كالسوس تنخر فى أدمغة الطلاب وجيوب الآباء، بمعاقبة كل معلم ومعلمة من يثبت تقاعسهم عن واجبهم فى الشرح بالفصل المدرسى، وكل من يثبت إعطاؤه الدروس الخصوصية عوضاً عن شرح المدرسة، وتلاعبت بنا وزارة التعليم تارة بإعلان نية إغلاق السناتر، وتارة أخرى بتقنينها، وتارة ثالثة بتقنين فصول التقوية بالمدرسة عوضاً عن السناتر وبمقابل مبالغ أقل نسبياً مما يدفعه الطالب فى الدرس الخصوصى، وهو أمر مثير للعجب، لأن نفس المدرس الذى لا يشرح فى الفصل هو نفسه الذى تنفتح نفسه ويشرح فى فصل التقوية، وسبحانه المميت المحيى، يموت المعلم تعباً فى حصته العادية وترتد إليه روحه فى فصل التقوية أو الدرس الخصوصى، لأن المال صار محرابه الذى يتعبد فيه وصار آلهة وثنية يعبدها.
هؤلاء لا نعرف كيف باعوا ذممهم وضمائرهم وهم يحصدون الآلاف من جيوب الآباء المساكين المطحونين فى الحياة، والذين كل همهم أن ينجح ابنهم أو ابنتهم عسى أن يحصلوا على شهادة تنفعهم فى مستقبلهم، لا أعرف كيف يستحل هؤلاء أكل هذه الأموال التى تأتى بشق الأنفس وبالاستدانة ومن حرمان الأسر من أى حياة كريمة لتوفير مصاريف الدروس الخصوصية. وطالبنا كثيراً بإعادة النظر فى الكادر التعليمى وتحسين أجور المعلمين بما لا يترك أمامهم المجال لبيع ضمائرهم فى السناتر والدروس الخصوصية، أو على الأقل يحد من تلك الظاهرة المقيتة التى تتفرد بها مصر عن سائر دول العالم، ولكن دون جدوى، والمفجع أن الأمر لم يتوقف عند المدارس العامة أو القومية كما يطلقون عليها، بل استوحش الأمر وانتقل بفداحة إلى المدارس الخاصة التى يدفع فيها الآباء عشرات الآلاف سنوياً، رغم ذلك يفاجأ ولى الأمر بابنه أو ابنته بطلب درس خصوصى فى السنتر هذا أو ذاك، لأنه لم يفهم الشرح من المدرس فى المدرسة الخاصة، والغريب أنه يفهم الدرس فى السنتر من نفس المدرس، ولا يفهم الآباء «هو الغلط فين» فى أبنهم ولا فى المدرس؟... وللحديث بقية.