ذهب رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر إلى واشنطن فى أول زيارة رسمية لمقابلة الرئيس غريب الأطوار الذى اشتهر بعدم توقع ردود أفعاله وكسر قواعد البروتوكول بتعمده إحراج ضيوفه على الملأ، يدرك ستارمر صعوبة مهمته لإقناع ترامب بعدم التخلى عن أوكرانيا ومخاطر التطبيع السريع مع بوتين، كما يحمل معه مخاوف الدول الأوروبية من احتمالات انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسى، يعرف ستارمر بأنه سياسى صريح ومباشر، قادر على قول الحقيقة بطريقة قد تمكن ترامب من رؤية التداعيات والمخاطر والمكاسب من أى موقف يتخذه، لكنه لا يتمتع بالعلاقة المتميزة التى كانت يتمتع بها رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون مع ترامب. حاول ستارمر بكل السبل اقتفاء أثر ماكرون الذى أظهر تفاعلًا واضحًا، حيث دعا ماكرون ترامب بـعزيزى دونالد وتبادل حوارًا لا يخلو من المداعبة وإطلاق النكات والعناق عند مغادرته للبيت الأبيض. وأظهرت لغة الجسد بينهما تقاربًا حين ربت ماكرون على ركبة ترامب، واستطاع بهذه العلاقة تجنب انتقاداته اللاذعة يبدو أن ستارمر نجح بدهاء فى كسب ود ترامب بطريقة معاملة الأطفال عندما لجأ إلى إرضاء غروره عبر تسليمه دعوة ملكية شخصية لزيارة بريطانيا موقعة من الملك تشارلز، فقد أبدى ترامب سعادة واضحة بالدعوة التى وصفها بأنها غير مسبوقة، وأكد ستارمر ذلك واصفًا الرسالة بأنها مميزة واستثنائية تفاعل ترامب مع الرسالة بإيجابية، مؤكدًا التزامه بعلاقته مع المملكة المتحدة واصفًا الملك تشارلز بأنه «رجل عظيم بحق» حاول ستارمر مجاراة أسلوب ترامب الخطابى، مستخدمًا كلمات مثل هائل ورائع لوصف فرص تحقيق السلام فى أوكرانيا والاستعدادات لزيارة ترامب المقبلة، وفى هذا الصدد كتبت ايريكا آل جرين محررة النيويورك تايمز التى تغطى البيت الأبيض تقريرًا مميزًا تحلل فيه أسلوب ترامب الفريد فهو ينتهج استراتيجية «الغموض البناء» فى السياسة الخارجية: يرى البيت الأبيض أن تناقضات ترامب تجعله مفاوضًا ماهرًا، حيث يترك المجال مفتوحًا للضغط وتحقيق أهدافه من خلال تصريحات غير واضحة مستخدمًا التواصل الجسدى كأداة للهيمنة السياسية، فأسلوبه المراوغ يصعب على أى سياسى التوصل معه إلى اتفاقات واضحة يعتمد ترامب على تناقضاته المتكررة، كتكنيك سياسى ما يسمح له بتقديم روايات متضاربة وإرباك خصومه، ما يجعله صعب التحديد بشأن مواقفه الحقيقية. مثال على ذلك تصريحاته المتغيرة حول أزمة غزة فقد أعلن عن نيته السيطرة على غزة وتهجير الفلسطينيين وإعادة بنائها كـ«ريفييرا الشرق الأوسط»، لكنه تراجع لاحقًا وادعى أنها مجرد توصية، وكذلك موقفه المتقلب من أوكرانيا فقد وصف زيلينسكى بـالديكتاتور الذى لا يجرى انتخابات لكنه لاحقًا تراجع متسائلًا هل قلت ذلك حقًا؟ يفتخر ترامب بأسلوبه غير الخطى فى خطاباته، والذى يسميه أسلوب الحياكة«The Weave» ما يجعله قادرًا على التراجع أو تغيير رأيه بسهولة تلك التناقضات المتعمدة تجعل وسائل الإعلام فى حالة متابعة دائمة لتصريحاته المتغيرة، ما يضمن له هيمنة مستمرة على الأجندة الإعلامية والسياسية. لا يتحرج ترامب فى توظيف الأكاذيب كأداة للسيطرة، فكما يرى كاتب سيرته الذاتية تونى شوارتز بأن هدفه ليس الدقة بل الهيمنة، وهو ما يتجلى فى تصريحاته المتناقضة التى تبقيه فى موقع القوة. وبذلك يحول الواقع لصالحه فتصريحاته المتناقضة تتيح لأنصاره انتقاء ما يتوافق مع رغباتهم.
لكن يبقى تساؤل مشروع عن مدى نجاعة أسلوب ترامب فى إدارة الملفات الداخلية والخارجية، فهنالك إخفاق واضح فى معظم القضايا وصل إلى حد التخبط أثر بشكل كبير على صورة زعامة الولايات المتحدة للعالم بعدما قررت دول عديدة تحدى تلك السياسات الشاذة، وأيضًا هناك تململ كبير من الامريكيين من ارتفاع معدلات التضخم والهبوط الكارثى للبورصة التى تنذر بعواقب وخيمة أقلها كساد مرعب منتظر، فهل يستفيق ترامب من هلاوس سياسة أمريكا أولًا؟ أعتقد أن أفضل تفسير لهذه الظاهرة الغريبة هى مقولة ريتشارد هوفستادر، أستاذ علم التاريخ الأمريكى بجامعة كولومبيا، بإن الأمريكيين لا يرون أن بلادهم فى حاجة إلى أيديولوجية، لأنهم يعتقدون أن أمريكا فى حد ذاتها أيديولوجية، ويلزم أن يأخذ العالم بأفكارها وقيمها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض