من عظمة الوحى4
لِمَ أُوثِرَ التَّعبيرُ بـ ﴿فَضْلٍ﴾ دُونَ (زِيادَةٍ) أو (كَرَمٍ)، فى قوله عز وجل: ﴿يَستَبشِرُونَ بِنِعمَة مِّنَ اللَّهِ وَفَضل﴾؟
أُوثِرَ التَّعبيرُ بـ ﴿فَضْلٍ﴾ دُونَ (زِيادَةٍ) أو (كَرَمٍ)؛ لأوجه:
¥ الأول: أنَّ الفَضْلَ لُغَةً: الزِّيادَةُ، وكُلُّ عَطِيَّةٍ لا تَلزَم مَنْ يُعطِى يُقالُ لها: فَضْلٌ؛ كما فى قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ (المائدة: ٥٤).
¥ الثاني: والزِّيادةُ: النُّمُوّ، وأن يَنْضَمَّ إلى ما عليه الشَّيء فى نَفْسِهِ شيءٌ آخَر؛ كما فى قوله عز وجل: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمٍِ﴾ (البقرة: 247)؛ أيْ: أعْطَاهُ من العِلْمِ والجِسْمِ قَدْرًا يَزِيدُ على ما أَعْطَى أَهْلَ زَمَانِه.
¥ الثالث: و(الكَرَمُ) من (كَرُمَ): أعطى بسُهُولَةٍ، و(كَرُمَ) الشَّيْءُ: عَزَّ ونَفُسَ.
¥ وعلى هذا فإنَّ (الفَضْلَ) يَنْمَازُ عن (الزِّيادةِ) و(الكَرَمِ) بأنَّه لا يَلْزَم مَن يُعْطِي؛ ولذا فقد ناسَبَ التَّعبيرُ به هنا فى مَقامِ اسْتِبشارِ الشُّهَداءِ بما أَعَدَّهُ الله لهم من النَّعيمِ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّونَ؛ ليكونَ ذلك أَقْوَى فى تَسْلِيَةِ المُؤمِنِينَ عن فَقْدِهِم.
¥ لِمَ أُوثِرَ تَقْدِيمُ النِّعْمَةِ على الفَضْلِ فى هذا المَوْضِع، وتَقْدِيمُ الفَضْلِ على النِّعْمَةِ فى قوله عز وجل: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﮘ﴾ (الحجرات)؟
¥ الحكمةُ من ذلك أنَّه لَمّا وَرَدَت هذه الآيةُ فى سِياقِ بيانِ مَكانَةِ الشُّهداء، وأنَّ الله تَعالَى لا يُضِيع أجْرَهم بل يَزيدهم من فَضْلِه؛ قال عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﮢ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﯗ (آل عمران)، فقد ناسَبَهُ تَقْدِيمُ النِّعْمَةِ التى جاءَت بمَعْنَى المَغْفِرَةِ والثَّوابِ على الفَضْلِ الذى جاءَ بمَعْنَى الزِّيادةِ فى الأَجْر.
¥ أمّا فى سُورَةِ الحجرات فإنَّه لَمّا وَرَدَت الآيَةُ فى سِياقِ امْتِنانِ الله على المُؤمِنينَ بوُجودِ الرَّسُولِ بينهم، وبأنَّ الله حَبَّبَ إليهم الإيمانَ وزَيَّنُهُ فى قُلوبِهِم، وكَرَّهَ إليهم الكُفْرَ والفُسوقَ والعِصْيَانَ؛ فقد ناسَبَهُ تَقْدِيمُ الفَضْلِ على النِّعْمَة.
وسبحان من هذا كلامه
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض