رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى أول أيام رمضان كنت فى القاهرة. وما لفت انتباهى هو حركة الحياة الصاخبة، والزحام فى كل مكان، والأطفال فى الشوارع وهم يحملون الفوانيس. 

والفانوس، الذى أصبح اليوم رمزاً لا يفارق شهر رمضان، كان يوماً ما شعلة ضوء تضيء الشوارع فى القاهرة عام 969 ميلادى، استعداداً لاستقبال الخليفة الفاطمى. ومنذ ذلك الحين، غدا الفانوس علامة مضيئة فى تاريخ رمضان، ليس فى مصر وحدها، بل فى شوارع دمشق وحلب والقدس، حيث يزدهى ليل المدينة بهذا الضوء الخافت الذى يعكس احتفال البشر بقدوم الشهر الفضيل. وفى قلب القاهرة، بالقرب من الأزهر، ما زال الفانوس يصنع حاملاً فى أضوائه فرحة الشهر وبركات الصوم. 

وفى القرن الثانى عشر (م.) رصد الرحالة الأندلسى ابن جبير في زيارته لمكة فى رمضان، حين كانت المصابيح تتلألأ فى أطراف المدينة عند أذان الفجر، كان الحارس يمر فى شوارع مكة صادحاً بصوته الرنان الذى يوقظ الناس ليعدوا وجباتهم قبل أن يبدأ الصوم. 

بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، كان رمضان موضوعاً أثيراً فى قصائد من الشعر العثمانى تسمى رمظانية Ramazaniye، حيث يبدع الشعراء فى رسم مشاهد رمضانية يقدمونها تكريماً للحكام. 

وبالإضافة إلى الروايات التى سجلها المسلمون عن رمضان، توجد بعض الملاحظات المثيرة التى وردت فى الرحلات والرسائل التى كتبها الزوار الأوروبيون. ومن هذه الأمثلة، رسائل الآنسة تالى من طرابلس (1783) Miss Tully’s Letters from Tripoli الآنسة تالى كانت أخت زوجة القنصل البريطانى فى طرابلس، وعلى علاقة وثيقة بالباشا وعائلته: "خلال العيد، تضاء جميع المساجد فى كل ليلة. والمدينة التى لا تضاء إلا فى هذه الفترة، تظهر إلى أقصى حد الوهج الساطع لعدة صفوف من المصابيح حول قمة كل مسجد مرتفع..".

فى عام 1854، وصف الكاتب الفرنسى ثيوفيل غوتييه ما رآه من فندقه فى بى أوغلو، فى إسطنبول من مظاهر تقليد رمضان العثمانى الخاص بأنوار المحيا– تلك الأضواء المعلقة بين مآذن المساجد التى تصور الزهور والينابيع وأسماء الله وآيات من القرآن ورسائل مثل مرحباً رمضان: "من الجهة الأخرى من القرن الذهبى، تتألق القسطنطينية وتلمع، كما لو كانت تاجاً من العقيق لأمير شرقى. تتألق المآذن بصفوف من المصابيح من جميع صوامعها؛ ومن قمة إلى قمة، تمتد، بحروف نارية، آيات من القرآن على السماء الزرقاء..".

وفى ثلاثينيات القرن العشرين، جاء عظيم- زاده، الفنان الأذربيجانى، ليصور "رمضان الأغنياء" فى لوحة تعبر عن الفوارق الطبقية وتدعو للتأمل فى القيمة الروحية التى يتركها الصوم فى نفوس الناس.

وبذلك، يبقى رمضان ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو فصل مستمر من الإبداع والتجديد الثقافى، حيث تتلاقى الحياة الروحية مع الفنون وتتناغم مع الآداب.