تحويل الفن والثقافة إلى مفهوم ترفيهى يعتمد على المتعة والإبهار وتحريك المشاعر السطحية ما هو إلا إقلال متعمد وتقزيم لمعنى ومفهوم الفن والثقافة والأدب فحتى المدارس النقدية التى تبنت قضية «الفن من أجل الفن» والتى أطلقها المثقفون الفرنسيون فى القرن التاسع عشر وتبنتها شركة السينما العالمية فى أمريكا «متروجلودن ماير» لم تغفل ضرورة الجانب الإيجابى فى الفن حتى وإن كانت تعنى أن يكن الفن مستقلًا عن السياسة والمجتمع والدين والأخلاق ويتبنى خصائصه الفنية المستقلة والتى لا تهتم بأى من تلك المتغيرات والمؤثرات التى يفرضها الواقع عليه.. فكانت الحركة البوهيمية والتحريرية المفرطة الصادمة فى العديد من الأعمال الفنية والرسم والإبداع وتلك الموجة الفنية التى سادت أوروبا فى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ووجدت من يروج لها ومن يرفضها ويقف ضدها باعتبار أن الفن يعبر عن مبادئ وقيم وله رسالة هادفة للإنسانية كما كتب الفيلسوف «فردريك نيتشه» والعديد من المثقفون المهتمين بالمجتمع والسياسة وتأثير الفن على السلوك والفكر الإنسانى.
وفى مصر بدأت الحركة الأدبية والفنية متبنية هذا الفكر المهتم بالإنسان والمتلقى وكان للفن رسالة ومعنى وقيمة خاصة بعد ثورة يوليو 1952 ومن قبلها نجد نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم والشرقاوى إحسان عبدالقدوس جميعهم يكتبون آملين فى التغير المجتمعى والسياسى؛ كما كتب العديد منهم عن قيم إنسانية وأفكار تحررية فى المسرح والسينما والدراما بداية من وحيد حامد وأبوالعلا السلامونى ومحفوظ عبدالرحمن وأنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوى نهاية بلينين الرملى ومحمد صفاء عامر وفتحية العسال ويوسف معاطى ومجدى صابر وغيرهم العديد مما لا يسع المقال ذكرهم.. أما الآن فما نشاهده ونتابعه بكل أسف لا يعد فنًا له قيمة وهدف ورسالة، وإنما تحولنا إلى مفهوم الترفيه والمتعة فى كل ما يقدم أو معظمه خاصة الدراما الرمضانية، أو تلك الدراما الجماهيرية التى تنشد الإعلانات والبيع على المنصات العربية حيث يشترط المنتج وشركة الإعلان أن تكون المتعة والإثارة هى الهدف وهى الغاية، ولا أهمية لما يرتقى بالفكر والذوق والسلوك.
أعمال كثيرة درامية معادة ومكررة خاصة دراما الأجزاء من مسلسلات لاقت نجاحًا فى الجزء الأول وهى أعمال تنتمى لما يسمى مسلسلات العائلة أو الأسرة عن حكاوى يوميات عائلية، كذلك مسلسلات الأكشن والغموض والجرائم والتشويق البائس الفقير فنيًا وهى مسلسلات باسم نجوم عفى عليهم الدهر الفنى والقبول الجماهيرى ولم يعد المتلقى يسعى لمتابعتهم، خاصة أن كل أعمالهم مكررة فى قصتها وأسلوب عرضها... أين الأعمال الفنية ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسة والتى لها زمان ومكان ينبئ بالفترة المجتمعية التى نعيشها... معظم الأعمال الآن بلا تاريخ ولا جغرافيا منزوعة المضمون والبعد الاجتماعى غارقة فى الذاتية والفردية والحكايات التى تصنع وتكتب بطريقة الورشة فنجد الحلقات منفصلة مختلفة فى كتابتها وتكوينها الدرامى.
الفن رسالة وقيمة ومضمون وتعبير عن واقع من أجل تغيره وليست تقديم وتصوير المجتمع المصرى بهذه الصورة الفجة عن بلطجية وراقصات ولصوص ونصابين ومجرمين وفقراء.. مصر كبيرة وعظيمة وأكبر من أى ترفيه وترويج.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض