حكاية وطن
للدكتور محمود أباظة رئيس حزب الوفد الأسبق عبارة شهيرة كان يرددها فى المناسبات العامة وفى مقالاته بجريدة «الوفد» أو فى لجان مجلس الشعب عندما كان عضوا بالمجلس، والعبارة هى «الأغلبية الميكانيكية»، وكان يقصد بهذه العبارة مجموع النواب الذين يشكلون الهيئة البرلمانية للحزب الوطنى تحت قبة مجلس الشعب، وكان مقتنعا وهو بالتأكيد توصيف صحيح بهذا الوصف، لأن الحزب الوطنى كان يلجأ عن طريق الترهيب أو الترغيب وباتباع سياسة العصا والجزرة إلى إجبار النواب الذين ينجحون فى انتخابات مجلس الشعب إلى هيئته البرلمانية لضمان الحصول على الأغلبية المطلقة التى تمكن نوابه من السيطرة على مجريات الأمور تحت قبة المجلس، ويتحولون إلى أداة تنفذ رغبات الحكومة والنظام فيما كان يعرف فى ذلك الوقت بـ«نواب تحت الطلب» الذين كانت تكتظ بهم القاعة عند اللزوم عندما يصدر لهم الأمر، وتخلو القاعة منهم فى الجلسات الأخرى بصرف النظر عن المطروح للمناقشة، رغم أن الدستور قد حدد حضور نصف عدد الأعضاء زائد عضو كشرط لانعقاد الجلسة، وإذا كان العدد أقل من ذلك فإن الجلسة تكون باطلة، ورغم هذا النص الدستورى إلا أن جلسات مجلس الشعب فى هذه الفترة التى كان يهيمن عليها الحزب الوطنى ليست فى مجلس الشعب فقط ولكن فى كل مناحى الحياة كانت موصومة بالبطلان.
البطلان فى انعقاد الجلسة كان مغلفا بإجراء كنت أطلق عليه خلال الفترة التى قضيتها محررا برلمانيا والتى زادت على 20 عاما متصلة «ضحك على الدقون» وأحيانا كنت أطلق عليها سرقة مقنعة للمال العام من المراقبين له والأمناء عليه، ولكن كيف كان يحدث ذلك فقد كان مجلس الشعب لا يطيق فى هذه الفترة نظام التصويت الإلكترونى، والتوقيع الإلكترونى متعللا بضيق القاعة وعدم مناسبتها لهذا النظام، مكتفيا بتعليق أسماء النواب فى كشوف ورقية فوق ألواح خشب أمام أبواب القاعة لتوقيع النواب بالحضور أمام أسمائهم، ويقوم الأمين العام عند حلول موعد عقد الجلسة بجمع الأوراق لحصر عدد النواب الموقعين ويبلغ رئيس المجلس بأن العدد الذى وقع يؤكد دستورية عقد الجلسة، ولكن كان رئيس مجلس الشعب يفاجأ عند دخوله القاعة لبدء الجلسة بأن عدد النواب الحاضرين لا يتعدى مائة عضو على أكثر تقدير والمفترض أن يحضر 228 عضوا، لأن عدد نواب المجلس فى ذلك الوقت كان 444 عضوا منتخبا و10 نواب معينين، كان رئيس المجلس يؤجل الجلسة بعض الوقت طبقا للائحة ويعود إلى مكتبه ويعود مرة أخرى بعد أن يكلف الأمين العام ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب الوطنى بالبحث عن بعض النواب فى البهو الفرعونى أو الاتصال على تليفوناتهم وأحيانا يغض الطرف ويبدأ الجلسة، ولا من شاف ولا من درى! ولكن أين كان يذهب النواب الموقعون فى الكشوف بالحضور، والذين كانوا يحصلون من خلال توقيعهم فقط على بدلات حضور الجلسة، وهم غير موجودين؟ فتبين أن نواب كل محافظة كانوا يرشحون واحدا منهم يتم تبديله كل يوم بآخر للتوقيع لباقى زملائه فى كشوف الحضور، ويساعدهم على صرف البدلات وعلى التزويغ من الحضور إلى المجلس، وبهذه الطريقة كان هناك نواب لا يحضرون إلى المجلس إلا لاستخراج بطاقة العضوية، وأحيانا حضور خطاب رئيس الجمهورية عند إلقاء كلمة بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، أو عندما يلقى رئيس الوزراء بيان الحكومة، أو عندما يكون هناك حشد للنواب لتمرير مشروع ما فيه مصلحة الحكومة وظلم للمواطن، فيصدر الأمر لزكى قدرة بأن يذبح فيذبح زكى قدرة!!
ظل الحزب الوطنى على عهده طوال الفصول التشريعية التى كان فيها الحزب الوحيد المهيمن رافعا شعار زواج المال بالسلطة، وزيتنا فى دقيقنا، ويقابله مجلس الشعب شعار اللى فات مات لتمرير الحساب الختامى للموازنة العامة بدون محاسبة عن إهدار المال العام، وكان عدد النواب المستقلين يزداد فى كل انتخابات عن سابقتها، حتى فى أحد المجالس كان عدد المستقلين أكثر من عدد نواب الأحزاب، ومنهم الحزب الوطنى، أيضا وقيل إن المستقلين يحكمون مجلس الشعب، وحدثت مشكلة كبرى على مستوى قيادات الحزب الوطنى وتم عرض الأمر على المكتب السياسى للحزب، وصدرت الأوامر، بضم المستقلين بالأمر إلى الحزب الوطنى لإنقاذ الموقف. ولكن للأمانة فقد كان بعض المستقلين يرفضون عضوية الحزب الوطنى، ولا يعبأون بالتهديدات التى كانت تصلهم، ولا بالوعود التى كانت تجزل لهم بالحصول على مزايا، وظلوا مستقلين طوال مدة عضويتهم وكان ولاؤهم الأول والأخير للناخب الذى اختارهم لتمثيله تحت القبة، كانت هناك شكاوى تصل إلى رئيس مجلس الشعب من بعض الدوائر ضد النواب الذين خدعوهم بعد انتخابهم مستقلين وفوجئوا بهم يهرولون إلى الحزب الوطنى، وكان رئيس مجلس الشعب يعتبرها هرولة محمودة، ويعتبرها الناخبون هرولة مذمومة، وكان رئيس مجلس الشعب يرد عليهم أى الناخبين بأنهم يستطيعون محاسبة نوابهم المهرولين بعدم انتخابهم مرة أخرى، ولكن كان ذلك لا يحدث لأن أصوات الأموات كانت تنتظرهم أمام صناديق الانتخابات إلى جانب البطاقات الدوارة والخمسين جنيها المقسومة نصفين، نصف عند التصويت والنصف الآخر بعد أداء الواجب الذى لم يكن واجبا ولكنه مشاركة فى جريمة للحفاظ على الأغلبية الميكانيكية.
الحاجة إلى الأغلبية البرلمانية مطلوبة ومهمة للبرلمان وللحكومة والنظام ولكن من خلال انتخابات تنافسية نزيهة، شريفة، محايدة يتبارى فيها عدد من الأحزاب القوية لتظهر من خلالها الأغلبية والأقلية وزعامة المعارضة، وفى ذلك إثراء للحياة السياسية وللرأى والرأى الآخر، والمستفيد من ذلك المواطن والوطن.
أى على الناخبين بأنهم يستطيعون محاسبة نوابهم المهرولين بعدم انتخابهم مرة أخرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض