رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

محمد نجيب الغرابلي باشا، وزير الأوقاف الذي ترك بصمة لا تنسى في تاريخ مصر الحديث، يمثل نموذجا فريدا للوزير الوطني الذي جمع بين الانتماء للوطن والكفاءة الإدارية، وبين العمل السياسي النبيل والالتزام بالدين والخدمة العامة. 

خلال فترات ولايته الخمس، استطاع الغرابلي باشا أن يؤسس لأنظمة مستدامة ويطور الخدمات الدينية والاجتماعية بطريقة منسقة، تعكس رؤيته العميقة لمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. 

فترات عمله لم تكن مجرد أرقام أو تواريخ، بل كانت صفحات مضيئة في تاريخ وزارة الأوقاف، بدءا من أول ولاية له في عام 1924 في أعقاب تعديل وزاري داخلي خلفا لأحمد مظلوم باشا، مرورا بوزارته في حكومات عدلي يكن باشا، عبد الخالق ثروت باشا، مصطفى النحاس باشا، وصولا إلى آخر فترات ولايته في وزارة عبد الفتاح يحيى باشا.

نشأ محمد نجيب الغرابلي باشا في مدارس الدولة المصرية، وتخرج منها حاملا شهادة المحاماة عام 1908، لكنه رفض أي وظيفة قضائية، مفضلا الانخراط في العمل السياسي والنضال الوطني. 

كان أول من انتخب من طنطا للجنة الوفد المركزية، ولعب دورا بارزا في نقابة المحامين منذ عام 1921، حيث التحق بالوفد المصري، وتعرض للاعتقالات بسبب نشاطه الوطني، لكنه ظل صامدا، محافظا على مبادئه الوطنية، مؤمنا بأن حرية الوطن لا تشترى إلا بالتضحيات.

لقد كان الغرابلي باشا في وزارته للأوقاف مثالا للإصلاح والإدارة الرشيدة، إذ ركز على جانب التنظيم الداخلي للوزارة، فأسس لجانا لتثبيت الموظفين، وصرف إعانات للعمال، واهتم بأن تتم عملية الصرف للمستحقين عبر الوزارة مباشرة دون وسطاء، وأعاد تسمية ملجأ الأيتام إلى مدرسة اليتامى، وحدد السنة المالية للوزارة من أول أبريل إلى آخر مارس، وأصدر أول لائحة للنذور في عام 1928، وأنشأ صندوق ضمانات أرباب العهد، كل ذلك بهدف وضع أطر واضحة وشفافة للعمل داخل الوزارة.

أما في الحفاظ على مال الوقف وتنميته، فقد لم يكتف الغرابلي باشا بالإدارة التقليدية، بل عمل على حصر أملاك الوزارة سنويا، وإنشاء تفتيش للوديان والمناطق الزراعية المهمة، وترميم الأعيان المتضررة، والتصرف في الأوقاف ضئيلة الريع بطريقة تخدم الصالح العام، وضمان سرعة وضع اليد على الأراضي قبل تصرف المستأجر فيها، كل ذلك لضمان أن تبقى أموال الوقف وسيلة لخدمة الدين والمجتمع، لا مجرد مصدر للريع الفردي.

وفي مجال الدعوة إلى الله، اهتم الغرابلي باشا بالنظام والرقابة على المساجد والخطباء، فوضع معايير لاختبارات الأئمة، وحرص على تعليم المكفوفين منهم، ومنع البدع والممارسات المخالفة للشريعة في المساجد، وعمل على تعيين وعاظ ومراقبين مؤهلين، كما وضع نظاما للمقارئ، وحدد اختصاصات المفتشين ومساعديهم.

وأصدر قرارات صارمة لحماية منابر المساجد من من ليس لهم دراية بالدين، وحرص على أن تكون الخطبة مقتصرة على علماء الوزارة والقضاة الشرعيين ووعاظ الأزهر، أو من يحمل إذنا كتابيا من الوزارة.

كما شهدت عهده خطوات مهمة في توحيد إدارة المساجد الأهلية في المدن والقرى، لتحقيق رغبة البرلمان في تنظيم إقامة الشعائر الدينية، سواء عبر استثمار أوقاف المساجد أو تدبير موارد مالية لضمان استمرارية الخدمة الدينية، مع توثيق كل البيانات الخاصة بكل مسجد لضمان الشفافية والمسؤولية.

محمد نجيب الغرابلي باشا لم يكن مجرد وزير يقيم الأنظمة والإصلاحات، بل كان رمزا للالتزام الوطني والإيماني، رجل جمع بين الوطنية الصادقة والكفاءة الإدارية، وقدم نموذجا رائعا لوزير الخدمة العامة الذي يرى أن العمل من أجل الوطن والدين مسؤولية عظيمة تستحق التفاني والإخلاص. 

في زمنه، لم تكن الوزارة مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت قلبا نابضا بخدمة الناس والدين، وأضحى إرثه مثالا حيا على ما يمكن أن يحققه الإنسان حين يجمع بين حب الوطن والالتزام الديني والإدارة الحكيمة.