كلما عدت بذاكرتي إلى صفحات تاريخنا السياسي، توقفت طويلا أمام شخصية مصطفى فهمي باشا، ذلك الرجل الذي ظل حاضرا في لحظات مفصلية من عمر مصر الحديث.
والحق أن الحديث عنه ليس مجرد استدعاء سيرة رجل تولى الحكم أو تقلد المناصب، بل هو استحضار لمرحلة كاملة عاشت فيها مصر صراعا صامتا بين إرادة وطن يريد أن ينهض، وقوة احتلال كانت تطمح أن تبسط نفوذها على كل شيء.
ولعل أكثر ما يدهش حين نتأمل سيرة مصطفى فهمي باشا أنه يجسد نموذجا شديد التعقيد؛ رجل وصل إلى قمة السلطة وبقي فيها سنوات طويلة، لكنه في الوقت نفسه ظل في نظر قطاع واسع من المصريين رمزا للخضوع للإنجليز، وكأن التاريخ شاء أن يضعه في منطقة رمادية تجعل الحكم عليه أمرا يحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف والوعي.
ولد مصطفى فهمي باشا في كريت لأسرة تركية، وتشرب منذ طفولته حياة الجندية والانضباط بعد أن التحق بمدرسة الحوض المرصود ثم المدرسة الحربية تحت نظارة رفاعة الطهطاوي.
وربما لم يكن يدري أن هذه البداية ستقوده إلى أن يصبح واحدا من أكثر رجال الدولة تأثيرا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
فمنذ أن دخل السلك العسكري أخذ يصعد بخطوات ثابتة حتى صار ياورا للوالي، ثم تولى المناصب واحدة تلو الأخرى في زمن كانت مصر فيه أشبه بسفينة وسط بحر عاصف تتقاذفها الأمواج بين نفوذ الخديوي وتدخلات الدولة العثمانية ويد الاحتلال البريطاني الثقيلة.
ومع مرور الوقت، أصبح مصطفى فهمي باشا الوجه الأبرز للسياسات التي أراد الاحتلال فرضها، خصوصا بعدما تولى رئاسة الوزارة لثلاث فترات امتدت إحداها أكثر من ثلاثة عشر عاما كاملة.
وهنا يبدأ الجدل الحقيقي: هل كان مصطفى فهمي باشا مجرد أداة في يد الاحتلال كما وصفه اللورد كرومر؟ أم كان يحاول – على طريقته – أن يحفظ بقاء الدولة المصرية من الانهيار الكامل في ظرف سياسي شديد القسوة؟
الحقيقة أن النظر إلى تلك الحقبة يستدعي أن نتحرر من أحكام جاهزة، فعلى الرغم من أن حكومته قبلت تدخلات بريطانية واسعة وصلت إلى حضور مستشار الحقانية البريطاني جلسات الوزارة، إلا أن الرجل لم يكن مجرد موظف لدى الاحتلال، بل كان جزءا من نظام سياسي كامل انهار بعد هزيمة الثورة العرابية ودخول الإنجليز البلاد، وهو نظام كان يفتقر إلى الأدوات اللازمة لمقاومة النفوذ الأجنبي أو فرض السيادة الوطنية.
ومع الاعتراف بهذا، تبقى حقيقة أن سياساته لم تترك في الوجدان الشعبي أثرا وطنيا يعتد به، بل كان اسمه يذكر دائما كنقيض لكل ما أراد المصريون استعادته من إرادة وكرامة.
لكن التاريخ – كما هو دائما – ليس صفحة سوداء أو بيضاء، ففي عهد مصطفى فهمي باشا قامت مؤسسات كبرى لا تزال قائمة حتى الآن مثل مدرسة البوليس والبنك الأهلي المصري، واستعاد الجيش المصري السودان بعد حرب طويلة، وتم وضع أسس الإدارة المالية الحديثة.
وهذه حقائق لا يجوز تجاهلها، لكنها أيضا لا تمحو لحظات موجعة عاشها الشعب المصري في تلك السنوات، مثل حادثة دنشواي التي ظلت جرحا مفتوحا في القلوب، وواقعة طابا التي كشفت هشاشة الموقف المصري في مواجهة الأطماع الخارجية.
ولعل المفارقة الأكبر في سيرة الرجل أن ابنته صفية زغلول أصبحت فيما بعد واحدة من رموز الوطنية المصرية وزوجة زعيم الأمة سعد زغلول.
وكأن القدر يذكرنا بأن مصر أكبر من الأشخاص، وأن أبناء هذا الوطن قادرون دائما على أن يكتبوا فصلا جديدا مهما أثقل الماضي كاهلهم.
إنني حين أتأمل سيرة مصطفى فهمي باشا اليوم لا أبحث عن إدانة بقدر ما أبحث عن فهم، فالتاريخ لا يقرأ بعين الغضب فقط، بل يقرأ بعين العقل الذي يدرك أن الأمم تمر بمراحل ضعف كما تمر بمراحل قوة، وأن كل شخصية – مهما بدا موقفها – تعكس لحظة من لحظات صراع مصر الممتد من أجل حريتها وسيادتها.
ومهما اختلفنا حول الرجل، يبقى درس هذه المرحلة واضحا: أن مصر لا تنهض إلا حين يستند الحكم فيها إلى إرادة شعبها لا إلى رضا الأجنبي، وأن الوطنية ليست شعارا يرفعه الناس، بل مسؤولية يتحملها كل من يقترب من موقع القرار.
وهكذا، تظل سيرة مصطفى فهمي باشا مرآة لتاريخ مضطرب، وتبقى مصر – كعادتها – أكبر من كل اختلاف وأقدر على أن تعيد تشكيل ذاتها كلما عصفت بها الرياح.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض