مصطفى رياض باشا، ذلك الاسم الذي يلمع في صفحات التاريخ المصري، ليس مجرد سياسي عابر، بل رمز من رموز الإصلاح والإدارة القوية في مصر الحديثة.
ولد بالقاهرة عام 1834، وتعددت الروايات حول أصله، فبعض المؤرخين يرونه يهوديا من سميرنا باسم يعقوب من أسرة الوزان، وبعضهم الآخر يراه تركيا مسلما ينتمي لعائلة ناظري سك العملة المصرية.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذا الرجل، بغض النظر عن أصله، أصبح واحدا من أعظم رجال الدولة في مصر في القرن التاسع عشر، وما قدمه لوطنه أكبر من أي جدل حول أصوله.
منذ صغره، التزم مصطفى رياض بالعلم والانضباط، فقد تخرج من مدرسة المفروزة العسكرية، وبدأ حياته العملية في خدمة الحكومة المصرية ككاتب صغير في مجلس العموم، قبل أن يثبت ذكاءه وكفاءته في مختلف المناصب.
بدأ في العمل العسكري الموسيقي برتبة ملازم، ثم صعد إلى رتبة بكباشي، ومع كل خطوة كان يثبت نفسه كمسؤول فذ يجمع بين الانضباط العسكري والفكر الإداري.
تدرج في المناصب بسرعة، حتى أصبح ناظرا للمعارف والأوقاف، ثم للحقانية والداخلية والمالية، متدرجا في خدمة الدولة دون كلل أو ملل.
كان لرياض حضور قوي في حياة مصر السياسية، إذ شغل منصب رئيس وزراء مصر ثلاث مرات، الأولى من 1879 حتى 1881، والثانية من 1888 حتى 1891، والثالثة من 1893 حتى 1894.
وخلال هذه الفترات، أظهر قدراته الاستثنائية في إدارة البلاد، وإرساء قواعد الإدارة الحديثة، ومواجهة التحديات السياسية الداخلية والخارجية بحكمة وحنكة.
لم يكن مصطفى رياض باشا رجلا عاديا في الحكم، بل كان صاحب رؤية إصلاحية جريئة، فقد حرص على تحديث القضاء الشرعي، وأصدر لائحة ترتيب المحاكم في يونيو 1880، وأوقف آلاف الأفدنة لدعم دار الكتب المصرية، وجعل الوقائع المصرية تصدر يوميا بعد أن كانت تصدر مرتين أسبوعيا.
كما أتى بالمنظر الإسلامي والمصلح الكبير جمال الدين الأفغاني إلى مصر عام 1871، ليكون له أثر بالغ في رفع الوعي القومي بين المصريين.
وعلى الرغم من مركزه العالي، لم يكن بعيدا عن هموم الناس، فقد ألغى السخرة والضرب بالكرباج لتحصيل الضرائب، وقلص عددها بما يخفف عن كاهل المصريين، وأسس مجلس بلدي الإسكندرية، وعمل على إصلاح التعليم الشعبي، معتمدا على خطة السويسري دوربك، ليصل التعليم إلى كل ركن من أركان مصر، مستفيدا من الأوقاف الأهلية في تمويل المدارس وإصلاح الكتاتيب.
ولكنه في الوقت ذاته كان صارما مع من يخالف القانون، فقد أراد تأديب زعماء الثورة العرابية، ولم يهادن من يهدد أمن الدولة واستقرارها، ما جعله شخصية مثيرة للجدل، لكنه كان دائما مخلصا لمصر، وملتزما بخدمة الدولة ومصالحها.
كان يعلم أن مصر بحاجة إلى رجال يمتلكون القدرة على الموازنة بين الصرامة والإصلاح، بين القوة والحكمة، وبين الحزم والعدالة، وقد جسد هو هذه الموازنة في كل قراراته وسياساته.
مصطفى رياض باشا لم يكن مجرد سياسي، بل كان رمزا للوفاء للدولة، ورؤية مصر الحديثة، ورجلا حمل على عاتقه عبء الإصلاح والتنمية، دون أن يغفل عن التعليم والثقافة، وعن رعاية مصالح الناس، وتحسين حياة المواطنين.
رحل عام 1911، تاركا وراءه إرثا غنيا من الإنجازات، وإشادة من أجيال لاحقة بكل ما قدمه لوطنه، وما زال اسمه يذكر بكل احترام، ليس فقط كمسؤول حكومي، بل كأيقونة مصرية خلدت في صفحات التاريخ، رجلا عرف كيف يوازن بين القوة والعدل، بين السلطة والوعي الوطني، وبين الطموح الشخصي وخدمة الوطن، ليبقى اسمه خالدا في الوجدان المصري.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض