محمد شكري باشا كان مثال للإنسان الذي يضع خدمة الوطن قبل كل شيء، رجل لم يعرف التردد حين تعلق الأمر بتحسين حياة الفلاحين ورقي الزراعة المصرية.
في مارس عام 1922، تم تعيينه وزيرا للزراعة في حكومة عبد الخالق باشا ثروت، وكان هذا التعيين بداية مرحلة جديدة في تاريخ الزراعة المصرية، مرحلة تتسم بالاهتمام بالبذور الصالحة وتحسين الإنتاج، مرحلة كان هدفها رفع شأن الفلاح المصري وتأمين قوته اليومي ومستقبله الزراعي.
محمد شكري باشا لم يكتف بمجرد الإدارة الروتينية للوزارة، بل أخذ على عاتقه مهام عظيمة تتعلق بتنظيم الزراعة وحماية الفلاح من أي استغلال.
ففي السادس من سبتمبر من نفس العام، ترأس المجلس الزراعي الاستشاري لمناقشة مشروع قانون مراقبة بذرة القطن، وهو مشروع قانون يحمل في طياته اهتماما كبيرا بالزراعة الوطنية.
الهدف من هذا القانون كان واضحا وصريحا: اختيار البذرة الصالحة للزراعة، تحسين نوعية القطن في مصر، وضمان أن يكون الفلاح مسلحا بأفضل أدوات الإنتاج.
وبموجب هذا القانون، تم حظر بيع بذور القطن قبل فحصها واختبار جودتها، مع وضع عقوبات صارمة على أي تاجر يخالف هذا النظام، تشمل الحبس أو الغرامة، ليكون ذلك حماية حقيقية للفلاح وللمستقبل الزراعي للبلاد.
وفي خطوة أخرى تعكس حرص محمد شكري باشا على دعم الفلاحين، قررت وزارة الزراعة في الثامن عشر من نوفمبر أن تشتري من مصلحة الأملاك الأميرية جميع ما تنتجه أقطانها من بذرة القطن وتوزعه بالثمن المعجل على كبار زراع القطن.
كانت هذه المبادرة بمثابة دفعة قوية للزراعة المصرية، لأنها مكنت الفلاحين من الحصول على بذور ذات جودة عالية دون عناء البحث أو دفع مبالغ طائلة، مما ساعد على تحسين الإنتاجية وضمان محصول أفضل في المواسم القادمة.
لكن مسار العمل لم يكن دائما مستقيما، ففي التاسع والعشرين من نوفمبر، قدم عبد الخالق باشا ثروت استقالة الوزارة لجلالة الملك، وهو حدث سياسي أثر على سير الأمور، لكنه لم يوقف الحماس أو الرؤية الواضحة التي وضعها محمد شكري باشا منذ لحظة توليه الوزارة، الرجل ترك بصمة واضحة في تطوير الزراعة المصرية، بصمة تعكس وطنيته واهتمامه الحقيقي بالناس وبمستقبل وطنه.
محمد شكري باشا يمثل نموذجا للرجل العملي الوطني، الذي لا ينظر إلى المناصب بقدر ما ينظر إلى أثر عمله على أرض الواقع، إن اهتمامه بجودة بذور القطن وتحسين الإنتاج الزراعي يعكس وعيه العميق بأهمية الزراعة في حياة المصريين، ويدل على إدراكه أن قوة أي وطن تكمن في أرضه وزراعته وفلاحه.
ومن هذا المنطلق، فإن دوره لم يكن مجرد عمل إداري، بل كان بمثابة رسالة وطنية حقيقية، رسالة تنقل الحماس والتفاني في خدمة مصر وأهلها.
إننا حين نقرأ سيرة محمد شكري باشا، نجد أنفسنا أمام مثال حي للرجل الذي يجمع بين العلم والخبرة والرؤية الوطنية، الذي يفكر في المستقبل قبل الحاضر، ويضع مصلحة الوطن والفلاح قبل أي اعتبار شخصي.
هذا الرجل الذي عمل بلا كلل ولا ملل لتطوير الزراعة المصرية، يستحق أن نتذكره بكل احترام وفخر، وأن نستلهم من إرادته وطموحه روح العمل الوطني الحقيقي.
فمحمد شكري باشا لم يكن مجرد وزير، بل كان رمزا للوطنية الحقيقية التي تتحرك بين الناس وتلمس حياتهم اليومية، ليظل اسمه علامة مضيئة في تاريخ مصر الزراعي والاجتماعي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض