رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين

إن الإنسان المعاصر يهرع إلى الاغتراب.. هو يبحث عن كل ما هو سلبى.. لماذا؟ ربما لكى يثبت وجوده.. ربما يريد أن يكون ضد كل ما هو عقلى وضد كل ما تدعو إليه القيم والمثل وكل الأخلاقيات الدينية.. هو يفعل العكس والأمر الغريب أنه يشعر بالسعادة لأنه يفعل ذلك! الإنسان عاق بمعنى الكلمة وفى ذلك العقوق تكون نشوته وبهجته.. إنه الإنسان يعرف ما هو إيجابى لكنه، رغم ذلك يلهث نحو ما هو سلبى!

يقول دوستويفسكى: فماذا يمكن أن تتوقع من الإنسان، ماذا يمكن أن تتوقع من هذا الكائن الذى أوتى هذه الصفات العجيبة؟ حاولوا أن تغدقوا عليه جميع خيرات الأرض، أغرقوه فى السعادة إغراقًا، لبوا حاجاته الاقتصادية تلبية تبلغ من الكمال أن يصبح فى غير حاجة إلى شىء غير أن ينام ويأكل فاخر الحلوى ويفكر فى الوسائل التى تكفل استمرار التاريخ العام... فماذا يحدث عندئذ؟ إن الإنسان، حتى فى هذه الحالة، سينقاد لعقوقه، وسينساق مع حاجاته إلى تلويث نفسه، فيرتكب حقارة من الحقارات من باب الشكر وعرفان الجميل!.. حتى لقد يجازف بفاخر حلواه، فيسعى إلى أخطر الحماقات، وأضر السخافات، لا لغرض إلا أن يمزج تلك الحكمة الإيجابية الوضعية بعنصر خيالى شاذ مؤذ. تلك أحلام وهمية وغباوات تفاهة يريد المحافظة عليها لا لهدف إلا أن يبرهن لنفسه (كما لو كان ذلك ضروريًا إلى هذه الدرجة حقًا) على أن البشر بشر وليسوا أصابع بيانو تتناول قوانين الطبيعة أن تعزف عليها وتلعب بها، وهى تعزف عليها وتلعب بها فى براعة تبلغ من الحذق أنه لن يبقى من الممكن فى المستقبل القريب أن يريد الإنسان أى شىء دون الرجوع إلى التقاويم والاعتماد عليها. وهب أن الإنسان ليس إلا إصبع بيانو، وهبك استطعت أن تبرهن له على ذلك برهانًا رياضيًا، فإنه لن يعود إلى الصواب ولن يلتزم جانب الحكمة والرشاد، بل سيظل يرتكب حماقة من الحماقات، لا لشىء إلا أن يدل على عقوقه ويستمر فى انقياده لنزوته، وقد يوغل فى التخريب، وينحدر إلى السديم والفوضى إذا أعوزته الوسائل الأخرى، فإذا هو يسبب شرورًا لا أدرى ما هى، ولكنه لن يستلهم فى آخر الأمر ما يعن بباله ويأمره به خياله، ثم إذا هو يصب على العالم لعنته، وإذا كان الإنسان لا يملك شيئًا إلا أن يلعن (وهذه ميزته التى ينفرد بها من دون سائر الحيوانات)، فسيحقق بذلك أهدافه ويبلغ غاياته، وهى الاقتناع بأنه إنسان وليس مسمارًا فى آلة.

هذا ما قاله دوستويفسكى منذ أكثر من قرن من الزمان.. وفى وقتنا المعاصر نرى مدى ما يفعله الإنسان وخاصة الإنسان الذى يملك القوة والبطش والديناميت.. كل تلك الحروب وكل تلك المجاعات وكل ذلك التخريب لصالح من؟ لا إجابة.. إنها الحماقة.. إنه الإنسان العاق والأحمق.. فلنا الله.

 

أستاذ الفلسفة وعلم الجمال – أكاديمية الفنون