رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هناك في تاريخ هذا الوطن رجال لم يكونوا مجرد شهود على الأحداث، بل كانوا طاقة من الضوء تشق طريقها وسط العتمة وترسم للمصريين معنى العزة والكرامة. 

ومن بين هؤلاء الذين يستوقفني سيرتهم كلما ذكر اسمهم، يقف ويصا واصف باشا شامخا، ليس فقط باعتباره رجل سياسة، ولا مجرد برلماني أو محام قدير، بل لأنه كان واحدا من أولئك الذين تحرك في عروقهم الدم المصري الصافي، فحولوه إلى كلمة وموقف وصمود لا يلين. 

إن الحديث عن ويصا واصف ليس استدعاء لصفحات قديمة، وإنما هو تذكير بما يمكن أن يفعله الإيمان بالوطن عندما يسكن القلوب قبل العقول.

ولد ويصا واصف في طهطا سنة 1873، وسط بيئة بسيطة لكنها زرعت فيه مبكرا الشغف بالعلم والبحث، فانطلق من مدارس بلدته إلى باريس، وهناك تشكل وعيه في مناخ يقدر المعرفة ويحتفي بالفكر الحر، فدرس في مدارس المعلمين ثم عاد إليها لينال ليسانس الحقوق عام 1902. 

لكن المدهش أن هذا السفر لم يخلعه من جذوره المصرية، بل زادها رسوخا، فخرج من فرنسا لا كمثقف معزول عن وطنه، بل كمقاتل يعرف أن كل ما تعلمه سيكون سلاحا يعود به إلى مصر ليشارك في معركتها الكبرى ضد الاحتلال.

ومع عودته، بدأ مشواره في مكتب مرقص باشا حنا، غير أن المحاماة كانت بالنسبة له معبرا للكفاح، لا مجرد مهنة، كانت روحه تغلي غضبا من الاحتلال البريطاني، فراح يكتب المقالات المشتعلة التي تستنهض الهمم وتفضح ظلم المستعمر، ويرسلها إلى "اللواء" التي رفع بها مصطفى كامل راية الوطنية. 

ومن هنا ولدت علاقته بالقائد الشاب، ودخل الحزب الوطني ليصبح أحد وجوهه البارزين، إلا أن خلافات ما بعد وفاة مصطفى كامل دفعت به إلى الاستقالة، لكن رحيله عن الحزب لم يكن يوما رحيلا عن مصر؛ بل كان انتقالا إلى ساحة أوسع للكفاح.

وجاءت لحظة فارقة حين أعلن سعد زغلول تشكيل الوفد عام 1918، فذهب إليه ويصا واصف ومعه رفاقه من الوطنيين الأقباط، يطلبون الانضمام إلى المسعى المقدس لانتزاع استقلال مصر. 

وكان هذا المشهد وحده كافيا ليؤكد أن الوطن أكبر من الفوارق وأسمى من الانقسامات، وأن الوحدة الوطنية في مصر ليست شعارا، بل فعلا وانحيازا ودما واحدا يجري في قلوب المصريين جميعا. 

وقد أصبح ويصا واصف بعدها صوتا قويا داخل الوفد، خاصة في رحلته إلى باريس، حيث وقف مدافعا عن حق هذا الشعب في الحرية، متحدثا باسمه، ثابت النظرة، لا يساوم ولا ينحني.

وفي لحظة انقسام داخل الوفد كان كثيرون يميلون إلى مسايرة القصر أو مهادنة الإنجليز، لكن ويصا واصف اختار أن يقف خلف سعد، لا بدافع الولاء لشخص، بل إيمانا بأن مصر لا تسترد بنصف موقف. 

وظل إلى جواره كظله، لا يحول بينهما شيء، حتى عندما اشتدت الأزمة ونفي سعد مرة أخرى إلى سيشل، وقف ويصا واصف في قلب المعركة ولم يرهبه سجن ولا تهديد.

وحين تولى رئاسة البرلمان، كشف عن معدن لا يصدأ، لا حين يختلف مع الملك ولا حين يحاول الاحتلال أن يفرض إرادته، وكانت لحظة إغلاق الملك فؤاد للبرلمان بالسلاسل واحدة من تلك اللحظات التي تحفر في الذاكرة المصرية. 

فبينما تحاصر القوات الشوارع، تقدم النحاس ومعه النواب، لكن المشهد الأكثر جرأة كان عندما شق ويصا واصف الصفوف، ووقف أمام الأبواب المكبلة، ثم أمر بتحطيم السلاسل والدخول، وكأنه يفتحه لمصر كلها كي تتنفس، منذ تلك اللحظة أصبح "محطم السلاسل"، وصدق الوصف؛ لأنه لم يحطم سلاسل الحديد فقط، بل سلاسل الخوف والاستسلام.

وبسبب هذا الموقف تحديدا كرهه الملك فؤاد والمستعمر البريطاني، فأسقطوه في الانتخابات، غير أنه عاد إلى المحاماة ليواصل دوره الوطني، لا طالبا منصبا ولا ساعيا إلى جاه، بل واقفا أمام المحاكم المختلطة يدافع عن المظلومين، ويجعل من القانون سيفا للحق، وكان في كثير من الأحيان يرفض تقاضي أجر ممن لا يملكون، وكأن العدالة عنده ليست مهنة بل عبادة.

وفي 27 مايو 1931 رحل ويصا واصف عن دنيانا، لكن مشهد جنازته كان وحده شهادة على قيمته؛ فالمسلمون والأقباط حملوا نعشه معا، كأنهم يحملون رمزا من رموز مصر الخالدة. 

لم يكن الرجل مجرد سياسي أو برلماني، بل كان ضميرا حيا من ضمائر الأمة، وشاهدا على أن الوطنية الحقيقية لا تصنع بالكلمات، بل تولد من قلب يؤمن أن مصر تستحق أن نعيش لأجلها ونموت في سبيلها.