رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين

عصف فكرى

يقول وليم شكسبير «الأفعال دائما أبلغ من الأقوال. صدق ما تراه، وانس ما تسمعه». وهو قول بليغ يُلخص تواريخ أمم شامخة سبقت بواقعها ما كُتب عنها. لكن يبدو لأننا فى عالم آخر، فنحن نُفضل الكلام على العمل تفضيلا. وفوق راياتنا تعلو دائما أصواتنا. 
وإذا كان الميكروفون صناعة غربية بحتة، إلا أنه مُعتمد ومُفضل ومحبوب فى بلادنا، لأنه يعلو ويرتقى بصوت مستخدمه فوق الجميع، وهو ما قد يُمثل تحقيقا لطموحات فردية بالتسيّد والعلو فى مُجتمعات لديها شعور طاغ بالانحسار والتقزم.
ليس هناك تحليل موضوعى لتغلب الأقوال فى خريطتنا، ربما لأن الشعر هو ديوان العرب، وهو الذى عوّدنا على أن تخليد أى منجز لأى إنسان أساسه الكلمات، وأنه لا عبرة لإنجازات عظيمة دون تدوين وذكر. لا إجابة واحدة، وربما لأن عصور الظلام والهزائم والتبعية رسّخت هذه الفكرة بشكل أعمق، فصار الأصل فى بلادنا هو الكلام، وأصبح الفرع أو الهامش هو مضمون المُنجز. 
يُمكن الشعور بالأمر بوضوح بمراجعة سريعة لأرشيف الصحافة العربية عما حققته الحكومات السابقة فى كثير من الأقطار. فلأن الكتابة كانت دائما خاضعة للسلطة، فإن كل عصر ارتقى بأصحابه لدرجة تجعلنا نندهش أننا مازلنا متأخرين رغم كل ما تحقق وفقا لهذا الأرشيف. ففى بعض الصحف فى الستينيات نقرأ مانشيت لصحيفة عربية يقول «تقدمنا أذهل العالم»، وآخر يقول: «وصلنا إلى الفضاء». ويبدو أن المبالغات القولية صعدت بالأمة العربية شعوبا ونخبا إلى عليين ثم هوى كل شىء فى لحظة حقيقة صادمة عندما حدثت مأساة يونيو1967.
تلك الحظة الفارقة دفعت مبدعا مفكرا مثل الشاعر العظيم نزار قبانى (1923-1998) والذى تحول حسب قوله ساعة الهزيمة الأثقل فى يونيو 1967 «من شاعرٍ يكتب شعر الحب والحنين إلى شاعرٍ يكتبُ بالسكين» أن يحاول استقراء ما حدث فى هذه اللحظات الصادمة. وكان مما رآه وقتها أن الهزيمة الكبرى التى لحقت بالعرب كان وراءها سبب مهم وعميق هو أننا أمة من الشعارات والكلام، وقد عبّر عن ذلك فى قصيدته «هوامش على دفتر الهزيمة» بقوله:
«لقد خسرنا الحرب مرتين. لأننا ندخلها/ بكل ما يمتلكه الشرقى من مواهب الخطابة/ العنتريات التى ما قتلت ذبابة/ لأننا ندخلها/ بمنطق الطبل والربابة».
ثم هو يراهن على القانون المنطقى العقلانى بأنه «بالناى والمزمار/ لا يحدث انتصار».
فالانتصار يتطلب تأهبا وتجهزا وإعدادا، وعملا، ولا يُمكن أن تتحقق الأمانى لأننا ندعو الله فقط، دون تخطيط وعمل. فكما قال نزار فإننا:
«نجعل من أقزامنا أبطالا/ نجعل من أشرافنا أنذالا/ نرتجل البطولة ارتجالا/ نقعدُ فى الجوامع/ تنابلا كُسالى/ نشطُرُ الأبيات أو نؤلف الأمثالا/ ونشحذ النصر على عدونا/ من عنده تعالى».
*** 
فى المعارك الكبرى أحلام لا حدود لها. لذا تكبر الكلمات لتصبح أضخم من الجيوش والعتاد. وهكذا ودائما كان صوت العرب عاليا، زاعقا، وكانت شعاراتهم دائما أكبر من حدود الواقع، ولم يكن غريبا مثلا أن نقرأ فى كتاب عبد الرحمن الجبرتى «التراجم والآثار» عن واقع المصريين والمماليك عندما علموا بقدوم نابليون بونابرت وجنوده، وكيف كانت شعاراتهم وعباراتهم الخيالية تصل إلى القول بأنهم سيقيمون من جثث الأعداء تلالاً، بل إنهم سيلعبون بجماجمهم لعباً.
ويذكرنا ذلك بمشهد آخر حديث عندما أطلق محمد سعيد الصحاف، وزير الإعلام العراقى فى نهاية حكم صدام حسين على الأمريكيين وحلفائهم وصف «العلوج» تهوينا وازدراء، وكأن الأمر محسوم مع هؤلاء الجبناء حتماً.
وقبلها بسنوات أفلتت من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيرى عبارة مبالغة عقب إغلاق جمال عبد الناصر مضايق تيران فى وجه الملاحة الإسرائيلية فى مايو 1967 قال فيها «سنلقى بإسرائيل فى البحر وسنلقى بمن وراءها فى البحر»، والتقط المذيع المفوه أحمد سعيد العبارة ورددها فى إطلالاته الإذاعية حتى صارت حلما ممكنا وشائعا لدى المصريين والعرب. لكن بتعبير المفكر المصرى الدؤوب جمال حمدان فيما بعد « فإن إسرائيل هى التى ألقت بالعرب إلى الصحراء»!
الحوادث عديدة، والأفعال متشابهة والانتصار الوحيد فيها كان للكلام الذى لم يزد عن كلام. مجرد تهديد أجوف لا يستند لمنطق أو عقل. لقد كنا دائما نتصور أننا قادرون على إلحاق الهزيمة بأعدائنا بالكلمات. كنا نعتقد أننا سنكسبهم بالكلام، لأننا يستحيل أن ننتصر عليهم بالفعل. هل لأننا لا نمتلك العدة المناسبة؟ ليس فقط، وإنما نحن لا نمتلك الثقة والإرادة لتجهيز هذه العدة، كما أننا - وضمير المتكلم هنا يعود على النُخب العربية - ليس لدينا رغبات حقيقية فى خوض معارك. لذا فإن كثيراً من البطولات الكبيرة مجرد بلالين مُنتفخة كذباً، وكلاماً.
*** 
الشعارات فضفاضة، مؤثرة، لكنها تقود الجماهير، ذلك القطيع الذى يقف بكلمة ويجلس بكلمة ويغضب بكلمة ويفرح بكلمة ويسير وراء الخطباء المفوهين إلى أبعد مما يتصورون. 
قبل الألفية وبعد استقلال الدول العربية عن الاستعمار ولدت مدارس الشعارات شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، وفى كل مكان. حكمتنا الشعارات لسنين طوال، ربما حتى بدايات الألفية الثالثة، عندما فتحت التكنولوجيا الحديثة طاقات نور على عوالم أخرى مختلفة، تؤمن بالعقل وتنظر للغد.
أتذكر شعارا عظيما رآه كل مَن سافر إلى بغداد فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. كان الشعار يقابله فور أن يحط فى مطار صدام الدولي. لافتة كبيرة وواضحة لكل ذى عين تواجه كل ضيف، مدونا عليها عبارة: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». وكان من الموجع أن كثيرين عاشوا الحلم، واقتنعوا به تمام الاقتناع، لكنهم لم يروا أبدا أمة عربية واحدة، ولم يتفق أحد على رسالة واحدة حتى تصبح خالدة. فالوحدة العربية الحقيقية لم تقم سوى فى الوجع والعذاب.
لكن المفزع فيما يخص هذا الشعار أن البلد المُروج والمؤجج له وهو عراق البعث، أو عراق صدام حسين كما يُحب البعض تسميته هو البلد ذاته الذى استباح بقواته دماء أشقائه وجيرانه فى الكويت سنة 1990 فى واحدة من مآسى التاريخ العربى الحديث، ما جعل شاعرا معروفا بقوميته مثل عبد الرحمن الأبنودى يُطلق على غزو الكويت مصطلح «الاستعمار العربى».
*** 
على مدى أزمنة حاول النابهون العرب كسر هذا الداء، ودحضه. جاء الإسلام فندد بالمنافقين ومن لا يطابق كلامهم أفعالهم، وعاب على الشعراء مبالغاتهم فى تضخيم الصغائر وتعظيم التوافه، وقاوم الراشدون، والأكفاء أكاذيب الكلام بالفعل، والإنجاز العملى فتولدت مقولة أبى تمام الراسخة بأن «السيف أصدق أنباء من الكُتبِ»، وصارت مثلا لشحذ الهمم وتحفيز الناس للفعل.
وكتب كثيرون منهم الجاحظ، وابن المقفع، وابن رشد، وابن خلدون جميعا عن الأفعال قبل الأقوال.
لكن مع الوقت غرقنا فى ظُلمات الاستبداد، وانغرسنا فى كبوات التردي، وغاب العلم، وانزوى أهله، وصار الهتيفة مُفضلين لدى أصحاب الحل والعقد. 
وهكذا جرفتنا القرون الوسطى، واعتادت بلادنا الانكسارات فى أزمنة بعد أخرى، وانسحقت شعوبنا، واستعمرتنا بلاد الشمال، وغابت عقولنا تحت ركام من الجهل والخرافات، فعُدنا نُنشد انتصاراتنا فى الكلام فقط..
والله أعلم.

[email protected]