رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أحيانا، وأنا أتأمل فى تاريخ بلدنا، أشعر أن بين صفحاته أسماء تتوه وسط ضجيج السياسة وصراع اللحظات، رغم أنها حملت على عاتقها ما هو أكبر من المناصب والسلطة؛ حملت معنى "الوطن". 

ومن بين هذه الأسماء، يظل واصف بطرس غالي باشا واحدا من تلك الشخصيات التى لم تنل بعد ما تستحقه من تقدير فى وجدان المصريين، رغم أنه كان واحدا من أهم رجال الدولة فى أصعب الفترات، ورمزا مصريا أصيلا عرف معنى الوطنية قبل أن تتحول إلى شعارات.

ولد واصف بطرس غالي سنة 1878، في بيت سياسي عريق، لكن ما ميز الرجل فى نظرى لم يكن فقط نسبه ولا اسم عائلته، بل قدرته على أن يختار لنفسه طريقا وطنيا خالصا، لا يخضع لاختلاف دين، ولا لتقلبات سياسة، ولا لحسابات مكاسب شخصية. 

درس القانون فى فرنسا، وعاد وهو يحمل عقلا منفتحا وثقافة واسعة، لكنه لم ينس لحظة أنه مصري أولا وأخيرا. اشتغل بالمحاماة، ثم دخل الحياة العامة فى وقت كانت مصر فيه تبحث عن صوت يعبر عنها فى الداخل والخارج.

ورغم أن والده، بطرس باشا غالي، اغتيل فى حادث هز البلد سنة 1910، فإن واصف قدم درسا نادرا فى الوطنية؛ رفض أن يستغل دم والده لصناعة فتنة أو لإشعال جروح طائفية. 

قال كلمة لا تزال حاضرة بقوة حتى اليوم؛ إن الحادث سياسي وليس طائفيا، هذه الجملة وحدها كانت كافية لتمتص نارا كانت يمكن أن تحرق مصر كلها، كان يستطيع أن يستثمر اللذة المؤقتة للغضب، لكنه اختار الصناعة الأعظم: صناعة الوطن والتماسك.

ولأن الروح الوطنية لا تعرف طائفة، انضم واصف غالي إلى حزب الوفد، ليصبح أول قبطي يدخل صفوفه، كان هذا القرار فى زمنه خطوة جريئة، لكنه يؤكد أن الرجل اختار أن يكون مصريا قبل أي تعريف آخر. 

لم يكن مجرد عضو شرفي ولا مجرد وجه سياسي، بل كان شريكا حقيقيا فى حركة وطنية قادها سعد زغلول، ناضلت من أجل الاستقلال والكرامة. 

وكلما رجعت إلى تلك اللحظة، أرى فيها رسالة مهمة: أن مصر بلد يتسع للجميع، وأن الوطنية لا تقاس بما يكتبه الناس عنك، بل بماذا تفعل حين تختبر وحدتك الوطنية.

تولى واصف غالي وزارة الخارجية خمس مرات، فى حكومات سعد زغلول ومصطفى النحاس، هذا وحده يكفى لنعرف حجم الثقة فيه وقدرته الدبلوماسية. 

كان وجه مصر فى الخارج فى واحدة من أكثر المراحل حساسية، وشارك فى مفاوضات مصيرية مثل مفاوضات سعد - ماكدونالد والنحاس - هندرسن، ووقف فى عصبة الأمم مدافعا عن قضية فلسطين قبل أن تصبح القضية الأولى للمنطقة كلها. 

لم يكن صوتا عابرا، بل كان من أوائل الأصوات الرسمية العربية التى قالت للعالم إن فلسطين ليست مجرد خلاف سياسى، بل قضية عدالة وكرامة ووجود.

وبرغم قربه من النخبة المثقفة فى أوروبا، وزواجه من فرنسية، وحيازته أرفع الأوسمة الدولية كجوقة الشرف الفرنسية، فإن جذوره بقيت ثابتة فى تراب مصر. 

وكانت علاقته بالثقافة والعلم جزءا من شخصيته؛ درس الأدب العربي فى فرنسا، وكتب بالعربية والفرنسية، وقدم للعالم صورة متحضرة لمصر التى تعرف كيف تساهم فى بناء الإنسانية من خلال فكرها قبل سياستها.

لكن ما يعنينى هنا، أكثر من المناصب والكتب، هو الرجل ذاته: مصري عاش بسيطا رغم عظمة موقعه، وتمسك بالوحدة الوطنية رغم أن الظروف كانت تدفعه إلى عكس ذلك، ودافع عن استقلال بلده حين كانت مصر تبحث عن صوتها وسط الضغوط الدولية، كان نموذجا نادرا لمن يعرف أن الوطن ليس شعارا يرفعه المرء وقت الحاجة، بل مسؤولية تلازمه طوال العمر.

حين أتذكر واصف بطرس غالي اليوم، أشعر أن التاريخ أحيانا يمر سريعا فوق وجوه تستحق أن نتوقف عندها، فالرجل لم يكن مجرد وزير خارجية، ولا مجرد عضو وفدي، بل كان واحدا من الذين حافظوا على روح مصر فى لحظات كان يمكن فيها للانقسام أن يكسر ظهرها. 

وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن ننسى مثل هؤلاء، لأن تذكرهم ليس مجرد قراءة فى الماضي، بل هو استدعاء للقيم التى تجعل بلدنا دائما أقوى من كل محنة: الوحدة، الوطنية، والنبل السياسى.

ربما لم يحصل واصف بطرس غالي على ما يستحقه من التكريم الشعبي، لكن التاريخ - كما أؤمن - لا ينسى من خدموا أوطانهم بنبل وهدوء وعمق، ومصر دائما تعرف أبناءها الحقيقيين .. حتى وإن تأخر الاعتراف قليلا.