عبدالرحمن الرافعي كان أكثر من مجرد مؤرخ؛ كان مرآة لروح مصر في زمن كان الوطن فيه ينهض من تحت نير الاحتلال ويبحث عن هويته الحقيقية.
ولد الرافعي في القاهرة عام 1889، في أسرة كريمة ترجع أصولها إلى الخليفة عمر بن الخطاب، عائلة عشق أهلها العلم والقضاء، منذ نعومة أظفاره، نشأ عبدالرحمن في جو من العلم والتربية الصارمة، فتعلم على يدي والده الشيخ عبد اللطيف الرافعي، أحد قضاة الأزهر، ما جعله منذ صغره يكتسب حس العدالة والشعور الوطني العميق، ويشرب حب مصر من نهر واديها وثقافتها العريقة.
تلقى تعليمه في مدارس مصر الابتدائية والثانوية، حتى التحق بمدرسة الحقوق بالقاهرة، وهناك تأثر بالحركة الوطنية التي قادها مصطفى كامل، فانضم إلى الحزب الوطني منذ بداياته، وبدأت بوادر انخراطه في العمل الوطني والسياسي.
لم يكن الرافعي مجرد متفرج على الأحداث؛ بل كان من بين شباب مصر الذين وضعوا أقدامهم على طريق النضال المبكر، مدفوعا بالإيمان العميق بأن مصر لا يمكن أن تنهض إلا بحرية حقيقية واستقلال كامل.
بعد تخرجه في مدرسة الحقوق عام 1908، بدأ حياته المهنية بالمحاماة، لكنه سرعان ما التحق بجريدة «اللواء» محررا، حيث التقى بالزعيم الوطني محمد فريد، فتعززت لديه القيم الوطنية وأصبح مؤمنا بأن الكلمة هي سلاح قبل أي شيء آخر.
وعندما عاد للعمل في المحاماة في الزقازيق والمنصورة، لم يترك قلمه، فكتب وألف ونشر، وأصدر كتبه الأولى مثل «حقوق الشعب» و«نقابات التعاون الزراعية»، مؤكدا من خلالها على حقوق الفلاح المصري وحاجة الريف إلى التنمية والتعليم والتعاون، مؤمنا بأن نهضة مصر تبدأ من قلوب الريف قبل المدن.
لم يقف الرافعي عند حدود الكلمة فقط، بل كان من المشاركين النشيطين في ثورة 1919، تلك الثورة التي كتب لها التاريخ بأنها لحظة ميلاد وعي قومي حقيقي في مصر، حيث لم يكن مجرد مراقب، بل كان جزءا من الحركة الوطنية، يشارك في العمل السري، ويخطط لإشعال جذوة الحرية في قلوب المصريين، مؤمنا بأن الحرية لا تمنح بل تنتزع.
وقد أظهر في كتاباته وأعماله الصحفية والفكرية موقفا صريحا من الاحتلال البريطاني، معارضا أي تفاوض يقلل من استقلال مصر، رافضا معاهدة 1936 التي رأى فيها استمرارا للهيمنة الأجنبية على أرض الوطن، داعيا دوما إلى حماية السيادة الوطنية بكل الوسائل الممكنة.
وبينما كان الرافعي ناشطا سياسيا، لم يغفل دوره في العمل النيابي، فقد انتخب نائبا عن دائرة المنصورة في أول انتخابات بعد دستور 1923، وأصبح رئيس المعارضة في المجلس، ثم انسحب عندما وجدت الحياة النيابية نفسها مشلولة، ليعود لاحقا في مجلس الشيوخ ويواصل نشاطه السياسي، متحليا بالمبادئ التي آمن بها منذ بداياته: الحرية، العدالة، سيادة الوطن، والعمل على نشر الثقافة الوطنية بين أبناء مصر.
لم يكن الرافعي مجرد سياسي ومؤرخ؛ بل كان مؤرخا أخلاقيا، يجمع بين البحث العلمي وحب الوطن، يكتب التاريخ وكأنه يوجه الأجيال القادمة، يربط الماضي بالحاضر ليغرس في نفوس الشباب الاعتزاز بمصر، ويبين لهم أن نهضة الوطن ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل مصري يقدر قيمة الوطن ويفهم تاريخه.
سلاسل كتبه التاريخية، التي وثقت الحركة الوطنية منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف خمسينيات القرن العشرين، أصبحت مرجعا لا غنى عنه لكل باحث ومؤرخ، ومع ذلك ظل الرافعي متواضعا، لا يسعى للشهرة، بل كان همه نقل الحقيقة الوطنية بروح صادقة ووفاء لرسالة وطنه.
ومن أبرز ما يميز عبدالرحمن الرافعي أنه لم يكن أسيرا للماضي فقط، بل كان صاحب رؤية مستقبلية، حيث دعا إلى ربط التنمية الزراعية بالتصنيع والتعليم، مؤكدا أن النهوض بالريف هو النواة الحقيقية لأي تقدم اقتصادي واجتماعي، وأن استقلال مصر السياسي لا يتحقق إلا بوعي شعبي وإرادة حقيقية.
كان يرى في السودان جزءا لا يتجزأ من مصر، ويعارض أي محاولات لتفريق وحدة وادي النيل، مؤمنا بأن حماية الأرض والسيادة هي أساس الكرامة الوطنية.
تجلت روح الوطنية في كل مواقفه، سواء في رفضه الاعتماد على القوى الأجنبية في حماية الوطن، أو في دفاعه عن القيم الدستورية، أو في نقده العلني لفساد بعض رجال السلطة، وكان صوت ضمير الأمة يعلو في كتاباته ومقالاته الصحفية، يدعو فيها إلى الحق والعدل ويقاوم الظلم والاستبداد.
وبين العمل السياسي والنيابي، والمحاماة، والكتابة التاريخية، ظل الرافعي مصرا على أن دوره الأهم هو نقل الحقيقة التاريخية للأجيال القادمة، ليكونوا على دراية بما قدمته مصر من تضحيات ومنجزات.
وفي هذا، أعتبره المؤرخون أحد أهم أعمدة التأريخ المصري الحديث، لأنه جمع كل المواد المتاحة في زمنه، وعالجها بروح وطنية وأخلاقية، فترك إرثا لا يقدر بثمن لكل من أراد فهم مصر المعاصرة ونشأتها الحديثة.
رحل عبدالرحمن الرافعي عن عالمنا في 3 ديسمبر 1966، تاركا وراءه إرثا معرفيا ووطنيا خالدا، يجسد كل ما يمكن أن يقدمه مثقف وطني لمصر: قلم صادق، وفكر مستنير، وقلب محب للوطن، وروح صامدة أمام كل تحديات الاحتلال والظلم.
لقد عاش الرافعي مصر في كل لحظة من لحظات حياته، ولم يكتب التاريخ مجردا، بل كتب تاريخا ينبض بالوطنية والكرامة والحرية، وجعل من التاريخ أداة للوعي والاعتزاز، ومصدر إلهام لكل مصري يريد أن يعرف ماضيه ويصنع مستقبله بنفسه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض