في قلب القاهرة، بين حواري حي السيدة زينب العتيق، ولد رجل شكل محطات فارقة في تاريخ مصر الحديث، رجل لم يكن مجرد سياسي، بل كان جسرا بين الماضي العثماني والحاضر المستقل، بين نفوذ الملك والضغط البريطاني، وبين طموحات الشعب ونزعات الحكم.
عبد الخالق ثروت باشا، الرجل الذي حمل على عاتقه عبء إدارة البلاد في أصعب فترات التحولات السياسية، وأثبت أن القيادة ليست مجرد سلطة، بل مسؤولية وشجاعة وفكر بعيد النظر.
حياته، وإن مضت سريعا، كانت مزيجا من التحديات والانتصارات، من المحطات القضائية الرفيعة إلى قمة رئاسة الوزراء، ومن مقاومة النفوذ الأجنبي إلى وضع حجر الأساس لدستور 1923، وكل ذلك في زمن غابت فيه معالم الاستقلال الحقيقي، لكنه ظل يؤمن أن مصر تستحق أن تحيا كدولة حرة قادرة على صياغة مصيرها بيد أبنائها.
عبد الخالق ثروت باشا، ذلك الاسم الذي ما زال محفورا في ذاكرة القاهرة ووسط البلد، ليس مجرد شخصية سياسية عابرة في تاريخ مصر الحديث، بل هو مثال حي على رجل الدولة الذي عاش بين مصاعب القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وعاصر أطوارا حرجة في تاريخ وطنه، من الاحتلال البريطاني إلى ثورة 1919 وصدور تصريح 28 فبراير 1922، وصولا إلى التجربة الدستورية الليبرالية التي شهدتها مصر في 1923.
ما يثير الاهتمام في شخصية ثروت ليس فقط المناصب التي تولاها من وزارات الحقانية والداخلية والخارجية، إلى رئاسة وزراء مصر مرتين، بل الطريقة التي تعامل بها مع التحديات السياسية والضغوط الخارجية والداخلية، بأسلوب يوازن بين الوطنية الواقعية والاعتدال السياسي.
ثروت لم يكن من عامة الناس الذين تولدهم الأقدار ليصبحوا رموزا سياسية فجأة، ولادته في حي السيدة زينب عام 1873.م، ونشأته في أسرة لها جذور في الإدارة والحكم منذ عهد محمد علي، منحته خلفية قوية في فهم شؤون الدولة والقدرة على التعامل مع التعقيدات السياسية والقضائية.
تخرجه من مدرسة الحقوق وانطلاقه في عالم القضاء ثم مناصبه في النيابة والمحاكم الأهلية، كلها خبرات صقلت شخصيته، وجعلت منه رجل دولة قادر على اتخاذ قرارات صعبة بحنكة، بعيدا عن الانفعال العاطفي الذي قد يسيطر على بعض السياسيين.
ربما كان أبرز ما يميز عبد الخالق ثروت هو اعتداله السياسي، في زمن كان فيه الشارع المصري يغلي بالمظاهرات والاحتجاجات بعد ثورة 1919، وكان الصراع بين القوى الوطنية المحتشدة خلف سعد زغلول وبين مصالح الملك والحكومة البريطانية محتدما، استطاع ثروت أن يحافظ على موقعه كوسيط معتدل، يسعى لتحقيق مصالح وطنية ملموسة دون الانغماس في الفوضى أو الاستسلام للضغوط الشعبية أو الأجنبية.
تصريح 28 فبراير 1922، الذي أعلن خلال فترة توليه رئاسة الوزراء، كان خطوة تاريخية نحو الاستقلال، وقد اعتبره ثروت خطوة على طريق التحرر الكامل، رغم تحفظات البعض على كونه جزئيا. لكن ما يميز موقفه هنا هو الواقعية السياسية؛ فهو لم يعد يعد المصريين بما لا يمكن تحقيقه، بل سعى لتثبيت مكاسب فعلية على الأرض.
لم يقتصر دور ثروت على المناصب الحكومية، بل كان فاعلا في صياغة دستور 1923، محاولا الجمع بين إرادة الشعب وقوة الدولة، وبين ضرورة منح الملك سلطات كافية لضمان استقرار الحكم من جهة، وبين احترام المبادئ الدستورية ومنح الشعب حق التمثيل من جهة أخرى.
هذا التوازن بين الاستقرار السياسي والحقوق الدستورية هو ما يجعل إرثه السياسي مختلفا عن إرث بعض زعماء عصره الذين غلبتهم النزعة الشعبوية أو التعنت في المواقف، فأدى ذلك إلى صراعات داخلية أطالت أمد عدم الاستقرار.
كما أن ثروت لم يكن مجرد سياسي يعمل داخل الأروقة المغلقة للسلطة، بل كان له بصماته الاجتماعية والثقافية، فقد ترأس النادي الأهلي لسنوات، وكان قريبا من كبار المفكرين والمثقفين مثل طه حسين وأحمد لطفي السيد، مما يعكس اهتمامه بالنهوض بالمجتمع إلى جانب اهتمامه بشؤون الحكم والإدارة.
هذه العلاقة بين العمل السياسي والعمل الاجتماعي والثقافي، تعطي صورة لرجل دولة متكامل الأبعاد، يعرف أن نجاح الدولة لا يقاس فقط بقرارات الوزارات، بل بمدى تأثيرها الإيجابي على المجتمع.
واحدة من اللحظات الفارقة في حياته كانت مفاوضات ثروت-تشمبرلين بشأن رحيل الإنجليز عن مصر، والتي انتهت بتعقيدات وصعوبات، لكنه كان دائما متمسكا بموقفه الوطني، محاولا إيجاد حلول تفاوضية تحقق لمصر مكاسب حقيقية، دون أن يدفع البلاد إلى مواجهة مفتوحة لا طائل منها، هنا يظهر بوضوح ذكاءه الدبلوماسي وقدرته على التعامل مع القوى الكبرى بحذر، متجنبا الانزلاق في المواقف المتطرفة.
رغم كل إنجازاته، لم يكن ثروت محبوبا من كل الأطراف، فالموقف من تصريح 28 فبراير 1922 مثل نقطة خلاف بينه وبين حركة الوفد، وكان هناك محاولات لإضعاف وزارته، سواء من قبل الملك أو بعض القوى السياسية المعارضة.
لكنه كان صلبا في مواقفه، يختار الاستقالة عند الحاجة بدلا من أن يتحول إلى أداة تحت ضغط الأطراف المختلفة، وهذا ما يعكس نزاهته والتزامه بما يراه صوابا لمصر، وليس لمصالح شخصية أو حزبية ضيقة.
رحيل عبد الخالق ثروت باشا عام 1928، لم ينه أثره في مصر، فهناك شارع باسمه في قلب القاهرة، يحمل اسمه ويجمع حوله مؤسسات ثقافية وقانونية، ليظل اسمه مرتبطا بالسياسة والعدل والتعليم والثقافة.
هذا الشارع ليس مجرد عنوان بريدي، بل رمز للتاريخ، وللرجل الذي حاول أن يكون صانعا للسياسة بعقلانية، وليس فقط تابعا للتيارات الشعبية أو الأجنبية.
عبد الخالق ثروت باشا يمثل تجربة نادرة في السياسة المصرية: رجل دولة معتدل، عقلاني، قادر على اتخاذ قرارات صعبة في أوقات حرجة، ومتمسك بمبادئه الوطنية، ولكنه في الوقت ذاته واقعي بما يكفي لفهم حدود القوى المحيطة به.
هو نموذج للسياسي الذي يسعى لتغيير الواقع دون أن يغرق في النزاعات العقيمة، ويظهر لنا اليوم كم هو مهم أن تكون لدينا قيادات تجمع بين الفكر الاستراتيجي، والحكمة، والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا، بعيدا عن الانفعالات اللحظية أو الضغوط الخارجية.
وقراءة تاريخه تجعلنا ندرك أن القيادة الحقيقية ليست في الشهرة أو الحشد الجماهيري، بل في القدرة على تحقيق نتائج ملموسة تخدم الوطن بشكل دائم ومستدام، وهذا ما جسده عبد الخالق ثروت باشا بامتياز.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض