أحيانا، وإحنا بنبص في صفحات التاريخ، بنلاقي شخصيات عدت من قدامنا من غير الضجة اللي يستحقوها، رغم إن تأثيرهم الحقيقي كان أعمق من ناس كتير صنعت لهم الأساطير.
من الشخصيات دي، ييجي محمد علي علوبة باشا، الراجل اللي مش بس كان محام بارع أو سياسي يتحسب له ألف حساب، لكن كمان كان نموذج صادق للوطني المصري اللي آمن بقضية بلده، وخدمها من قلبه، ووقف في وش الزمن وهو فاهم هو واقف ليه.
واللي يخليني أكتب النهارده عنه، مش إن سيرته معروفة أو مسجلة في كتب التاريخ، لكن لأن إحساسك وهو بتتبع خطواته يقولك إن الراجل ده كان عنده روح بلد كاملة جواه، وإنه كان بيشتغل للوطن مش عشان سلطة ولا منصب، لكن عشان هو مؤمن إن مصر تستحق أحسن من أي شيء.
ولد علوبة باشا في أسيوط سنة 1875، من عائلة ممتدة الجذور والصلابة، لكنها في النهاية مش هي اللي صنعت قيمته؛ اللي صنعه هو نفسه، هو اجتهاده وتعليمه وشغفه.
اتخرج من مدرسة الألسن في القاهرة، في زمن كانت فيه الكلمة العربية سلاح، وكانت المعرفة باب للنهضة، بدأ حياته محامي في المحاكم المختلطة، وبعدها في المحاكم الأهلية في بلدته أسيوط، وهناك اتعلم إن العدالة مش مجرد قوانين بتتكتب، لكنها موقف، وضمير، وشجاعة في مواجهة الباطل مهما كان صاحبه.
ومع إن البداية كانت قانون، لكن روحه كانت سياسة، وكان شايف إن مصر محتاجة رجال يقفوا قدام الاحتلال مش بس كمندوبين، لكن كأصوات حقيقية للشعب.
انضم للحزب الوطني في بداياته، وشارك في الحركة السياسية اللي كانت وقتها مش مجرد تنظيم، لكنها كانت أشبه بإعلان وجود لشعب بيرفض يكون تابع.
وبعدها انضم للأحرار الدستوريين، وكان واحد من قادتهم اللي حملوا فكرة الدولة الحديثة والدستور والحقوق على كتافهم، في وقت كانت فيه كل خطوة للأمام بتتحسب بالتمن.
ولأن الراجل ده كان من النوع اللي بيدخل أي مكان وهو فاهم دوره، شغل أكتر من منصب وزاري، وكل مرة كان بيدخل الوزارة مش كموظف كبير، لكن كواحد عنده مهمة.
تولى وزارة الأوقاف سنة 1925، واهتم بإدارة شؤونها بروح إصلاحية، وبعدها بسنين، مسك وزارة المعارف سنة 1936، واللي هي النهارده وزارة التعليم، ودي مسؤولية كبيرة جدا في أي وقت، وخصوصا وقت كانت مصر فيه لسه بتحارب علشان مستقبلها.
وبعدين بقى وزير دولة للشؤون البرلمانية، ورجع بعدها للأوقاف سنة 1946، وكل منصب خدم فيه كان بيحط فيه بصمته الهادية الواضحة.
وعلشان تعرف قد إيه كان محترم في مهنته، يكفي إنه انتخب نقيبا للمحامين في مصر، وده مش منصب ساهل، ولا حد بياخده بالمجاملة، ده موقع ما يوصلوش غير اللي ليهم وزن ومكانة واحترام في قلوب زملائهم قبل عقولهم، وده بيديك فكرة عن his مكانته الحقيقة وسط مجتمع القانون.
لكن حياة علوبة باشا ما كانتش محصورة داخل حدود مصر بس، لأنه كان شايف الأمة العربية كلها كيان واحد، وقضية فلسطين كانت بالنسباله قضية عدل قبل ما تكون سياسة.
شارك في الدفاع عنها قدام لجنة دولية، وكتب عنها، وانتقد الاحتلال بوضوح وشجاعة، كان صوته صريح، وضميره واضح، وما كانش بيخاف يقول الحق حتى لو العالم كله ماشي في الاتجاه العكسي، وده النوع من الناس اللي لما تقرأ لهم تحس إنهم اتولدوا قبل زمنهم، وإن وطنيتهم كانت أكبر من حدود مناصبهم.
ولأن الدولة كانت محتاجة رجال بيفهموا، تولى منصب "سفير فوق العادة ومفوض في باكستان"، وده يعكس ثقة البلد فيه، لكن بعد سنين الخدمة الدبلوماسية، تقدمت الحكومة بطلب قبول استقالته سنة 1950، يمكن كان شايف إن دوره الحقيقي في بلده أكتر من أي دور خارجي.
ورغم كل المناصب اللي مسكها، وكل المهام اللي قام بيها، يفضل أهم ما يميز محمد علي علوبة باشا هو إنك تحس إن الراجل ده كان ثابت؛ ثابت على مبادئه، ثابت على إيمانه بالبلد، ثابت على احترامه لنفسه ولتاريخه
وللناس اللي بيمثلهم، سواء كان واقف قدام لجنة دولية بيدافع عن فلسطين، أو واقف في البرلمان بيحاور ويحارب، أو قاعد على مكتبه كمحامي بيدور على العدالة - كان دايما نفس الروح، نفس النزاهة، نفس الانتماء.
رحل علوبة باشا سنة 1956، وسب وراه سيرة نظيفة، مليانة شغل وتعب وصوت عاقل وقلب مصري أصيل، ويمكن اللي يوجع شوية إن أسماء زي دي مش واخدة حقها من الذاكرة، مع إن البلد دي مش بتتبني غير على أكتاف ناس بالشكل ده، ناس كانت شايفة إن مصر لازم تقف، وإنها تستاهل مكانة، وإنها تستحق إن حد يدافع عنها بكل اللي يملك.
وأنا بكتب عنه، أحس إننا محتاجين كل يوم نفتكر الناس دي، مش عشان نرجع للماضي، لكن علشان نعرف إن البلد دي متخيلتش نفسها ولا بنت نفسها لوحدها، دي كانت دايما بتتسند على رجالها.
ومحمد علي علوبة باشا كان واحد من الرجال دول—راجل عاش بعزة، وخدم بنزاهة، ومشى من غير ما يعمل دوشة، لأنه كان واثق إن أثره هيكمل في ضمائر الناس اللي بتحس.
ولو سألتني ليه بفتكر راجل زي ده دلوقتي؟ هاقولك: علشان الزمن ده محتاج نفس الروح، محتاج ناس تحب البلد مش بالكلام، لكن بالفعل. محتاج اللي يشتغل بإخلاص ويحافظ على مبدأه مهما كان التمن.
ومحتاج إن التاريخ اللي اتبنى بتضحيات ناس بالشكل ده، يفضل قدام عنينا علشان نفتكر إن مصر عمرها ما كانت بلد عادية، وإن ورا كل مرحلة في تاريخها كان فيه رجال من معدن نضيف… زي محمد علي علوبة باشا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض