سعد زغلول باشا، اسم يكتب بحروف من ذهب في صفحات التاريخ المصري الحديث، زعيم وشخصية وطنية لا يمكن أن تنسى، رجل كان حاضرا في قلب الأحداث، ومعه انطلقت أصوات المصريين للمطالبة بحقهم في تقرير مصيرهم، ليس مجرد سياسي أو رئيس حكومة، بل رمز للوفاء للوطن، وحامل لواء الحرية والكرامة لشعب مصر.
حياته تعكس مسارا من النضال والمثابرة، بدأت من دلتا مصر حيث نشأ وتربى، مرورا بخدمة القضاء والإدارة، وصولا إلى القمة السياسية التي صنعت تاريخا لا يمحى.
سعد باشا زغلول لم يكن زعيما بالمناصب أو الألقاب، بل زعيما شعبيا بامتياز، عندما يذكر اسمه، يتبادر إلى الأذهان الوفد المصري الذي أسسه، ذلك الوفد الذي أصبح صوت الأمة أمام العالم، ووسيلة المصريين لتأكيد حضورهم ومطالبتهم بحقهم في المشاركة السياسية بعد الحرب العالمية الأولى.
تأسس الوفد في 13 نوفمبر 1918، وكان هدفه واضحا: تمثيل الشعب المصري في مؤتمرات السلام، وأن تكون لمصر كلمة مسموعة على الساحة الدولية.
لم يكن الوفد مجرد كيان سياسي، بل كان تعبيرا عن حلم جماعي لمصر حرة مستقلة، ورمزا للكرامة الوطنية التي لم تكن مستعدة للتنازل عنها.
لقد كان نفي سعد زغلول ورفاقه في 8 مارس 1919 نقطة فاصلة في التاريخ، البريطانيون لم يدركوا حينها أن اعتقال زعيم محبوب مثل سعد باشا ليس مجرد إجراء سياسي، بل شرارة ستشعل ثورة عارمة في ربوع مصر.
الشعب المصري رأى في اعتقاله عدوانا على كرامته، وخرج على الفور في مظاهرات واحتجاجات عمت كل المدن والقرى، كانت شرارة الثورة التي عرفناها باسم ثورة 1919.
هذا الحادث أظهر شيئا أساسيا عن زغلول: أنه لم يكن زعيما على الورق فقط، بل قائدا حقيقيا يمثل مشاعر الناس، ويجسد تطلعاتهم إلى الحرية والعدالة.
بعد سنوات من النفي في مالطا، عاد سعد زغلول في 29 مارس 1921، وكان الاستقبال الشعبي له بمثابة إعلان جديد عن ولادة مصر الحديثة.
الجماهير التي خرجت لاستقباله لم تكن تستقبل سياسيا فقط، بل كانت تستقبل أملها في مستقبل أفضل، رمزا لوحدة الشعب ومصدر إلهام لكل من يؤمن بحقوقه الوطنية.
بعد عودته، قاد الوفد المصري، وشكل حكومة تعكس رغبة الشعب، وكان حاضرا بقوة في معارك السياسة، مطالبا دوما بالحق والكرامة.
رفض الوفد المشاركة في لجنة الثلاثين كان موقفا شجاعا وواضحا: المصريون يريدون جمعية تأسيسية منتخبة لصياغة الدستور، وليس لجنة اختارتها الحكومة، هنا تجلى موقف سعد باشا كزعيم لا يساوم على الحقوق، رجل يقف مع شعبه، وليس مع السلطة من أجل السلطة.
لم يكن سعد زغلول باشا مجرد رئيس حكومة أو زعيم سياسي، بل كان رجلا له بصمة في كل مفصل من مفاصل الحياة الوطنية، تولى رئاسة مجلس النواب لفترتين قبل عام 1952، وكان أول من يمثل الوفد في رئاسة الحكومة بعد الاستقلال الجزئي.
حياته كلها كانت شهادة على التزامه بمبادئ الحرية والديمقراطية، على قدرته على تحويل الفكر الوطني إلى فعل، وعلى ثقته في قدرة الشعب على صنع مستقبله بيديه.
وما يجعل سعد زغلول أكثر قربا لقلوب المصريين ليس فقط دوره السياسي، بل شخصيته الإنسانية، وبساطته التي انعكست في تعاملاته مع الناس.
زواجه من ابنة مصطفى فهمي لم يكن مجرد ارتباط اجتماعي، بل ساعده على بناء جسور مع دوائر الحكم، ما مكنه من تحويل الصراع السياسي إلى فرصة لإقناع الآخرين بحقوق المصريين، وممارسة السياسة بطريقة تحقق التوازن بين المبادئ والواقعية.
هذا التوازن كان سر قوته ونجاحه في قيادة الوفد وتحقيق المكاسب الوطنية في وقت كانت مصر فيه تبحث عن صوت يمثلها ويحقق مطالبها العادلة.
سعد زغلول باشا هو التاريخ الحي لمصر الحديثة، رمز لزعامتها الشعبية، ووجه مشرق للوفد الوطني، قصته تذكرنا دوما بأن الوطنية ليست مجرد شعارات، بل أفعال وشجاعة في مواجهة الظلم، وإصرار على تحقيق الحرية والكرامة لشعب بأكمله.
كل خطوة خطاها، وكل قرار اتخذه، كان يعكس حبا صادقا لمصر وإيمانا عميقا بأن الشعب هو الأصل، وأن كل عمل سياسي يجب أن يكون في خدمة الوطن وأبنائه.
وهكذا، يظل اسم سعد زغلول باشا محفورا في وجدان المصريين، ليس فقط كزعيم سياسي، بل كرمز للكرامة والإصرار والوطنية الحقيقية، كقائد أحبه شعبه وخلد التاريخ ذكراه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض