نحو المستقبل
كم أسعدنا فوز المنتخب الكروى السعودى على الأرجنتين، إحدى القوى العظمى فى عالم كرة القدم العالمية، وقد جاء ذلك الفوز المستحق نتيجة طبيعية لما بذله الفريق السعودى من جهد وكفاح على أرض الملعب، علمًا بأن هذا الفريق لا يملك - كبقية الفرق من مختلف القارات - كتيبة من اللاعبين المحترفين فى الأندية الأوروبية العريقة التى تتسيد اللعبة، وعلمًا بأن هذا الفريق يتكون من لاعبين ينتمى معظمهم إلى فريق سعودى واحد يلعب فى الدورى المحلي!! وهذا إن دل على شىء يدل على أن الكرة تعطى من يعطيها وتكافئ من يستحق بعيدًا عن الأسماء الرنانة! فلا يوجد فى الفريق السعودى نجم بحجم ميسى، أفضل لاعبى العالم على مدار السنوات الماضية، ولا بحجم أي من رفاقه المحترفين فى دوريات وأندية العالم الكبرى!.
إن كل ما فعله الفريق السعودى، أنهم لعبوا الكرة بقوانينها متسلحين بالثقة بالنفس، وبتلك الدفعة المعنوية التى أعطاهم إياهم الأمير محمد بن سليمان، ولى العهد بالمملكة، حينما التقى بهم وأزال الرهبة من نفوسهم قائلًا: العبوا واستمتعوا.. نحن لا نريد ولا نتوقع منكم شيئًا إلا بذل الجهد!
إن هذا الحدث الرياضى له دلالاته الكثيرة التى تبدأ من الرياضة ولا تتوقف عندها، فقد نجح المنتخبان العربيان الآخران تونس والمغرب فى تحقيق التعادل مع قوتين عظيمتين فى كرة القدم الأوروبية، هما الدانمارك وكرواتيا. ولعل أهم هذه الدلالات أنه فى الإمكان أبدع مما كان وليس العكس، وأن الموهبة والإبداع أعدل الأشياء قسمة بين الناس وليس العكس!! كل ما هناك أن يمتلك المرء القدرات والمهارات التى تؤهله لتحقيق الإنجاز فى أى مجال شاء بعيدًا عن الإحساس بالدونية وقلة الحيلة!
إن هذا الدرس الكروى الذى لقنه لنا المنتخب السعودي، يمكن أن يكون مضافًا إلى غيره من دروس يلقنها لنا العلماء والمبدعون العرب فى كل مكان من العالم، ينبغى أن تتراكم فى العقلية العربية لندرك جيدًا أننا لسنا أقل من غيرنا، لا فى القدرات والمهارات ولا فى الإمكانات المادية والإبداعية! إن كل ما ينقصنا فى اعتقادى هو التخلص من الإحساس بالدونية، والانبهار بكل ماهو أجنبى! إن كل ما ينقصنا هو الثقة بالنفس، واتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب وفقًا لقدراتنا وما يحقق مصالحنا وسط هذ العالم الذى لا يعترف إلا بالقوة وبامتلاك آليات التحدى! إن ما ينقصنا هو الغفلة عن ما لدينا من مقومات التقدم وآلياته!! وكم أتساءل ومازلت: ما الذى يمنعنا من التقدم والنهوض ونحن نمتلك كل مقوماته كعرب أو كأفارقة أو كمسلمين؟! ما الذي يمنعنا من توحيد الصف والقفز على كل المعوقات والتحديات؟! ما الذي يمنعنا من امتلاك إرادة التحدى لمواجهة كل ما يواجهنا من مشكلات ورفض كل التدخلات الخارجية التى تفكك إرادتنا وتتخلل حياتنا وتفسدها علينا؟! ما الذى يجعلنا هكذا مشتتين فاقدى الإرادة والقوة؟! إنه بكل بساطة غياب الثقة بالنفس، والاستسلام للتدخلات الخارجية، والانبهار أمام تقدم الآخر والتصور الخاطئ أنه هو دائمًا الأقدر والأفضل، حتى وإن كان المجال هو كرة القدم! تلك اللعبة التى لا تتطلب إلا موهبة وقوة جسمانية، وأزعم أننا لا نقل فى ذلك عن الآخرين، فلمَ نقف مذعورين مرتبكين أمام الفرق الأخرى هكذا؟!
إن ما حدث فى عالم كرة القدم وانتصار الفريق السعودي على الفريق الأرجنتينى المدجج بسمعته العالمية وقوة ومهارة أفراده، يمكن أن يكون دافعًا لنا كعرب وأفارقة وآسيويين، أننا نستطيع كغيرنا الانتصار والحصول على كأس العالم، والقضاء على أسطورة التمييز الغربي، وأن الفرق الغربية هى وحدها القادرة على ذلك!! فهل نمتلك شجاعة التقدم نحو ذلك، وتفعلها إحدى الفرق الإفريقية أو الآسيوية، وتحصل على هذه الكأس؟ أتـمنى ذلك ولا أستبعده هذه الدورة..