نحو المستقبل
حال المرض دون أن ألبى دعوة المعهد الأوروبى للدراسات الابستمولوجية للسفر إلى مراكش الحبيبة بالمغرب العربي الشقيق الأسبوع قبل الماضى ، وكم كنت أتمنى تلك الزيارة أولاً لأنها كانت ستكون أول زيارة للمملكة المغربية وثانيًا لأن مضمون الدعوة استفزني وخاصة فى الشق الأخير من العنوان؛ حيث ستعقد مائدة مستديرة تحت عنوان : الفلسفة راهنيا فى العالم العربي: هل توجد ، كيف تتموقع ، ما أفقها ان وجدت ؟! وتحت هذا العنوان أسئلة خمسة مطلوب الاجابة عنها وأهمها الأربعة الأولى وهي : 1- هل هناك بحث (سواء بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع ) فلسفى فى العالم العربي حاليا ؟ 2- أين نحن اليوم من المبحث ( الأبحاث) الفلسفى (الفلسفية) إن وجد (ت ) وماهى آفاقه ( آفاقها ) ؟ 3- هل هناك مؤسسات أكاديمية أو أقسام أو وسائط نشر يمكن اعتبارها حاملة لانتاج فلسفى يتمتع بمصداقية ما أو مشروعية ما تسمح بتسميته كذلك وبأى معيار ؟ 4- هل استعادت اللغة العربية قدرتها على الانتاج الفلسفى أو هل استعاد المحسوبون على الحقل الفلسفى من الناطقين بها تلك القدرة ؟ أم أن السؤال نفسه فى صيغتيه أو فى إحداهما غير وجيه أو ينطلق من فرضية أو فرضيات ضمنيه غير مسلم بها ؟!!
لقد شعرت بالأسى لمجرد قراءة هذه التساؤلات ليس لما فيها من نبرة التعالى وربما السخرية من حالنا وحال الفلسفة فى عالمنا العربي فقط ، بل لما فيها من تجاهل لكل الجهود التى بذلت من قبل المفكرين والفلاسفة العرب منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن، ولما مافيها من غض الطرف عن جهود كل المؤسسات التربوية والأكاديمية التى تعمل ليل نهار على نشر الفكر الفلسفي وتعميمه بين كل المتعلمين صغارًا وكبارًا فى أرجاء عالمنا العربى من المحيط إلى الخليج ! ألم يقرأ الداعون إلى هذا الحوار شيئا مما كتبه أى من دعاة النهوض والتجديد فى فكرنا العربي الحديث والمعاصر منذ رفاعه رافع الطهطاوى ومحمد عبده ومالك بن نبي حتى زكى نجيب محمود الذى نشر الفكر الوضعى وأضاف إليه وحسن حنفي الذى كان أبرع من طبق المنهج الفينومينولوجى فى إطار مشروعه الفكرى عن التراث والتجديد، ألم يقرأوا شيئًا لعبد الرحمن بدوى الذي سبق سارتر فى الحديث عن الوجود والعدم !. إن الأمثلة من فلاسفة العرب المحدثين والمعاصرين الذين يمكن التأريخ لهم كثيرة وتفوق الحصر وقد أرخت شخصيًا لكثيرين منهم فى كتابي « الفكر العربي الحديث « و « رواد التجديد فى الفلسفة المصرية المعاصرة « . واذا لم يكن لدينا فلسفة وفلاسفة فأين نصنف كتابات محمد أركون ومحمدعزيز الحبابى ومحمد عابد الجابرى وعبد الله العروى وطيب تيزينى وفؤاد زكريا وعبد الغفار مكاوى وجورج طرابيشى وناصيف نصار وأحمد برقاوى وأحمد ماضى ومراد وهبه وعبد الأمير الأعسم وحسام الألوسي وفهمى جدعان ورضوان السيد ومحمد محجوب و فتحى التريكى وطه عبد الرحمن ورشدى راشد وأبو يعرب المرزوقى وكاتب هذه السطور وغيرهم عشرات وعشرات ؟!!
ألم يكلف أحدا ممن كتبوا هذ التساؤلات الساخرة أن يطلع على مقررات تدريس الفلسفة فى الجامعات والمدارس العربية خاصة فى مصر ودول المشرق والمغرب العربي ، إن مناهج الفلسفة فى تلك الدول لاتقل عن مثيلاتها فى دول أوربا وتكاد تزاحمهم فى اهتماماتهم فى كل القضايا المطروحة فلسفيًا من قضايا السياسة والأخلاق التطبيقية إلى قضايا البيئة والتغيرات المناخية ، ولأضرب مثلا واحدا بمناهج الفلسفة التى تدرس فى المرحلة الثانوية بمصر التى تحولت من التركيز على تاريخ الفلسفة والمذاهب الفلسفية إلى الناحية التطبيقية منذ عام 2015م حيث يدرس الطلاب على مدار السنوات الثلاث فى الشعبة الأدبية التفكير الفلسفى والعلمى ومهاراتهما فى الفرقة الأولى ويشترك معهم فى هذا المستوى طلاب الشعبة العلمية ، ثم الفلسفة والحياة والمنطق الاستنباطى فى الفرقة الثانية ، ثم الفلسفة التطبيقية والمنطق التطبيقي فى الفرقة الثالثة . وإن كنا لانزال نرجو أن تتطور طرق التدريس ومهارات المعلم حتى نصل إلى الصورة المثلى فى هذا الاتجاه الذي يمكن أن يُكسب الطالب فعلا وبحق مهارات التفكير الفلسفى ويجعل التفلسف والتفكير العقلى أسلوبًا للحياة لديه!!
صحيح أن ثمة مقاومة للفلسفة من بين بعض فئات المجتمع لذلك الظن السيئ والخاطئ ، بأنها ضد الدين والتدين ، لكن هذا الموقف المعادى للفلسفة والتفلسف أخذ فى الانحسار شيئًا فشيئًا لدرجة أنه كاد يتلاشى الأن ؛ فقد سُمح بتدريس الفلسفة الأن بمعظم الدول العربية بشكل مباشر ، وفيها جميعا بشكل غير مباشر ؛ حيث بدأ تدريس التفكير العلمى والتفكير الناقد وهذه روافد من التفكير المنطقى والتفكير الفلسفى . فيأيها الساخرون منا هونوا عليكم فلايزال فى العالم العربي عقول وعقلاء ، ولايزال العرب قادرون على استيعاب الفلسفة وانتاجها ، ولايزالوا -ان وثقوا فى أنفسهم واستقلوا بفكرهم وكفوا عن ملاحقتكم والنقل عنكم – قادرين على الابداع والعودة إلى الريادة فى كل المجالات !!