نحو المستقبل
يحتل د. أحمد فؤاد باشا بين علماء مصر المرموقين مكانة فريدة لم يرق إليها من قبله إلا ثلة قليلة نجحوا فى تقريب المفاهيم العلمية التخصصية الدقيقة إلى أذهان القراء، كما أنه من العلماء القليلين الذين يمتلكون رؤى فكرية أصيلة ومبتكرة عن تاريخ العلم وفلسفته تنطلق من أفق الثقافة الإسلامية وتتوافق مع الفلسفة القرآنية التى كثيراً ما تجاهلناها!! إنه يرى أن «المشكلات والقضايا العلمية التى تعرض لنا حالياً أو مستقبلاً ليست فى جوهرها جديدة تماماً؛ فدروس التاريخ لن تخلو أبداً مما يمكن أن نفيد منه اليوم أو غداً، وهنا تبرز أهمية الدراسات التراثية لأى دراسات وتتضح الحاجة الماسة إلى إعادة قراءة تاريخ العلوم وتقنياتها فى ضوء المرحلة التى يبلغها من تطوره على أساس ما يستجد دائماً من أفكار تتعلق بالجونب المختلفة لنظرية العلم والتقنية، بحيث تظل هذه القراءة المعاصرة للتراث أساساً لتحليل الواقع واستشرافاً لآفاق المستقبل». ومن هذا المنطلق يقدم د. أحمد فؤاد باشا فى فلسفة العلم المعاصرة رؤية جديدة نجح من خلالها أن يعيد البريق إلى نظرية العلم الإسلامية ويكشف النقاب عن مدى إعجازها.
لقد رسم عالمنا الجليل خريطته الخاصة لمجالات الفكر العلمى المعاصر من خلال رؤيته الإسلامية، حيث أكد أن فروع العلم المختلفة من العلوم الرياضية حتى العلوم البيئية والزراعية وتطبيقاتها وما يرتبط بها من أخلاقيات وعلوم مساعده إنما ينبغى أن تنبثق وتقوم على رؤية كونية إيمانية حضارية أساسها وحدة المعرفة وتكاملية الثقافات الثلاث (العلوم الطبيعة والتقنية– العلوم الاجتماعية والإنسانية– العلوم الدينية الإسلامية)، وهذه الرؤية التكاملية هى الهدف الذى سعى إلى تحقيقه عالمنا الجليل فى كل كتاباته الفلسفية والعلمية؛ فهو حينما يتحدث عن مقومات النهضة المعاصرة وعن استئناف النهضة العلمية وبشائرها أو عن خريطة النهضة العربية أو عن فقه الأصالة والمعاصرة أو عن المسلمين والتقدم الحضارى المنشود أو عن الترجمة كضرورة حضارية أوعن البحث العلمى وتحديات الأمن القومى أو عن فقه الواقع الافتراضى أو عن مسئولية العلماء فى عصر المعرفة أو عن الاستنساخ وآثاره المدمرة للاسرة ومجتمع الرجال والإناث معاً، أو
عن التعامل الراقى مع البيئة، حينما يتحدث عن كل ذلك إنما ينطلق من تلك الرؤية الكونية الشاملة لكيفية توظيف العلم والتقدم العلمى لمصلحة الإنسان والإنسانية ككل. ونفس الشىء حينما يتحدث عن أن الوحى والوجود هما المصدران الرئيسيان اللذان تنقسم العلوم على أساسهما إلى قسمين رئيسيين يشتمل أولها على العلوم التى لا يمكن للإنسان أن يتلقاها إلا من مصدر إلهى ربانى وهى العلوم المتعلقة بالعقيدة والقيم والتصور العام للوجود والنفس ونظام الحياة الاجتماعية ويشتمل الآخر على علوم البحث فى ظواهر الكون والحياة، وهى التى يهتدى إليها الإنسان بمداركه البشرية.
إن العلم الحق الذى يريده الإسلام أياً كان موضوعه وأياً كان مجال بحثه هو العلم المحروس بالإيمان، وهنا لامجال للحديث عن ثنائية العقل والإيمان، بل عن ثنائية النقل المسطور وغايات الفطرة أو السنن فى الوجود المنظور على النحو التالى: هل يواكب النص القرآنى السنن المنبثة فى الآفاق وفى الأنفس ويوافقها ويرشدها ليحقق مصلحة الإنسان ويرشد مسيرته ويثرى حياته أم أن نصوص الوحى تعارض تلك الفطرة التى لا تتبدل وتعوق أداءها.
إن الإنسان فى عصرنا الراهن بانغماسه فى المادية المفرطة أصبح يشعر بغرابة وجوده فى هذا الكون ويتساءل عن معنى ذلك الوجود وأسبابه وأهدافه.. الخ. ولن يقدم له الإجابة الشافية إلا خطاب جديد ورشيد يلغى تلك القضية المفتعلة عن تعارض الدين والعلم.
إن ما نقلناه– فيما سبق- عن عالمنا الجليل يوضح أننا أمام فيلسوف علم إسلامى معاصر بكل معنى الكلمة يحاول تقديم رؤية فلسفية عالمية بحق وتستحق هذه الرؤية الجديدة أن تناقش على مستوى دولى حيث تقدم حلولاً لقضايا ومشكلات الإنسان المعاصر أياً كانت عقيدته الدينية، وأياً كانت اهتماماته العلمية. إن إسهام المسلمين لم ولن ينقطع فى فلسفة وتاريخ العلم طالما أن لدينا قامات علمية رفيعة من أمثال أحمد فؤاد باشا الذى لم ينل حقه بعد من التقدير والتكريم..