رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحو المستقبل

 

كم كانت دهشتى حينما سمعت وقرأت أن صديقى د. محمد عفيفى وهو المؤرخ القدير قد أصدر رواية بعنوان «يعقوب» وزادت الدهشه حينما رأيت احتفاء النقاد والأدباء بها وبمؤلفها، وقلت فى نفسى: يا للخسارة لقد انتقل عفيفى من زمرة المؤرخين المجيدين الثقاة إلى طائفة المبدعين الروائيين !! وأصدقكم القول لقد حزنت لذلك التحول المفاجئ؛ فكم لدينا من روائيين وأدباء تخصصوا فى هذا اللون الأدبى الذى غطت شهرته على شهرة بقية الأجناس الأدبية لدرجة أننا أصبحنا نعيش كما يقول النقاد زمن الرواية!! وكم اجتذب هذا التحول الكثير من المفكرين والكتاب والصحفيين، بل عموم المثقفين ولا أدرى ما جدوى هذا التحول الذى جعلنا بالفعل نعيش زمن القص والخيال وربما زمن حكاوى القهاوى. يبدو أن عموم القراء وخاصة من الشباب قد سئموا قراءة المؤلفات العلمية الرصينة والتخصصية فى مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية وضاقوا بها ذرعاً نتيجة نظامنا التعليمى الفاشل الذى تفنن فى إبعاد الأبناء عن الشغف بالقراءة العلمية والاستزادة من المعارف فقادهم الهوى والخيال إلى الاستمتاع بقراءة هذه الحكاوى المكتوبة فى صورة قصص قصيرة أو روايات طويلة!!

ولأترك تحليل هذه الظاهرة الروائية للنقاد المتخصصين لأعود إلى صديقى د. محمد الذى أهدانى الرواية وما إن بدأت فى قراءتها حتى اطمأن عقلى وارتاحت نفسى لأننى أيقنت أن عقلية المؤرخ غلبت خيال الروائى فى هذا العمل الذى أعتبره درساً للباحثين الأكاديميين فى الشغف العلمى الذى يجعل منهم دارسين حقيقيين؛ فمحمد عفيفى لم يكتب رواية خيالية، بل كتب قصته مع بحثه العلمى عن الدور الغامض للمعلم يعقوب فى تاريخ مصر الحديث! تلك القصة التى انشغل بها فى إطار بحثه عن الوثائق الخاصة بموضوع بحثه لنيل درجة الدكتوراه حول تنامى ظاهرة التطرف الدينى ومحاولة شق الصف المصرى والوحدة الوطنية وشراكة الحياه الجميلة بين المسلمين والمسيحيين؛ حيث وقعت فى يده صدفة ورقة صغيرة عبارة عن مخطوط قديم وثيق الصلة بالكنيسة ودور أقباط مصر فى الحياة السياسية فى فترة حساسة من تاريخ مصر الحديث تتحدث عن واقعة دخول المدعو المعلم يعقوب بفرسه إلى الكنيسة! وكان مؤرخنا يعرف سلفاً هذا الرجل وأنه كان صاحب حظوة عند الأمير سليمان بك أحد كبار التنفيذيين فى زمن شيخ البلد على بك الكبير الذى زرع الله فى قلبه محبة القبط، وأن لهذا الرجل دوراً مشبوهاً أو وطنياً مختلفاً عليه فى زمن الحملة الفرنسية على مصر. ومن هذه المصادفة تترى أحداث رواية عفيفى التى أصبح بطلها شبح المعلم يعقوب الذى لاحقه عبر الأماكن والأزمنة والدراسات المختلفة فى المكتبات والجامعات وحتى عبر الأشخاص الذين التقاهم صدفة أوعمداً؛ فمن صعيد مصر إلى معهد إكس إن بروفانس فى فرنسا، من غرفة الاستقبال الخاصة بالأنبا رويس فى العباسية إلى المكتبة الوطنية بباريس، رحلة بحث طويله لتقصى الحقائق حول هذا الرجل الغامض؛ هل كان بطلاً وطنياً أم كان خائناً ملعوناً؟ هل كان صاحب فكر ومشروع أم كان جنرالاً باحثاً عن مصلحته الخاصة؟ والطريف أن المؤرخ الذى طاردته الأسئلة وفحص الإجابات كان كلما اقترب من أى وجه من وجوه الحقيقة حول هذا الرجل تكشَّف له وجه آخر إلى ما لا نهاية !! وانتهت الرواية بنهاية أشبه بنهايات المحاورات السقراطية التى يغلب عليها طرح الأسئلة دون أن نصل فى النهاية إلى إجابة مقنعة!

إن القيمة الحقيقية لهذه الرواية من وجهة نظرى تكمن فى أنها كما قلت فى البداية تعطى درساً فى كيف يكون الشغف العلمى متقداً لدى الباحث والمؤرخ فلا يتوقف عن طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات المستندة إلى الوثائق مهما استغرق هذا البحث من الوقت ومهما تعددت الأماكن والأشخاص.. إن محمد عفيفى لم يكن يحكى قصصاً خيالية لمداعبة العواطف أو تزجية للوقت بل كان يتحدث عن جزء من تاريخ مصر محاولاً الكشف عن الدور الغامض للمعلم يعقوب فى تلك الحقبة المهمة من تاريخنا الحديث. إنه عمل يقف فى منطقة رمادية بين التاريخ الحقيقى والقص الروائى. والسؤال الآن هو: هل سيواصل عفيفى هذا النهج الجديد فى التأريخ من خلال القص الروائى طلباً لمزيد من الشهرة وسرعة الانتشار أم سيعود أدراجه إلى ميدانه الحقيقى مؤرخاً رصيناً يكتب تاريخ مصر الحديث والمعاصر بأسلوب علمى رصين؟!