هموم وطن
يتابعنى فى العالم الافتراضى منذ حوالى عشر سنوات، عرفته ناصحا إذا طلبت منه النصيحة، وساترا عيوبى إذا لاحظها على العام أسرع على الخاص منبها ومصححا إذا ما أخطأت يومًا فى أحد منشوراتى، عرفته مجاملا وفيا فى التفاعل مع ما اكتب، ومدافعا عنى إذا تداعى على أحد أو حاول تسفيه ما أكتب، كنت أجاهد نفسى فى مجاراته للرد على كتاباته الأدبية العميقة، التى كانت فى بعض الأحيان يستعصى علىّ فك طلاسمها، وكان يمتن كثيرًا كلما تابعت منشوراته التى كان يفوتنى منها الكثير، تحدثنا على الخاص كثيرًا فى موضوعات عامة ولم تتطرق إلى الحياة الخاصة الا قليلا، حتى أرقام الهواتف لم نكن فى حاجة إليها، ظنا منا أن التواصل من خلال الفيس بوك أسهل وأسرع وأرخص، أتاح لى أن ألقى همومى على عتبته دون أن يمل أو يصاب بالضجر وكانت تنطبق عليه مقولة المستشار مؤتمن ،وكان يبذل جهودا فى نصحى خصوصا عندما اتخذت قرار خوض انتخابات مجلس النواب، رغم أنه ليس من أبناء دايرتى.
منذ حوالى عام انشغلت عنه ولم أتابعه ولم أشعر بعدم متابعته لى الا منذ أشهر قليلة، حاولت جاهدًا التواصل معه على الخاص ولكنه لم يرد ولم يجبنى، شعرت بالقلق ولكن بين الحين والحين ألمح وجوده من خلال متابعة ايقونات الفيس بوك التى تؤكد أنه يكتب، وعندما أتحدث إليه لا يرد، راجعت مواقفى معه خوفا من أن أكون قد أخطأت فى حقه أو تجاوزت معه، فلم أجد إلا تقصيرى الظاهر فى مبادلته نفس الاهتمام بى، بدأت أشعر بالقلق عليه وحاولت البحث فى قائمة أصدقائه، وتواصلت مع البعض الذى أكد لى أن علاقتهم به مقصورة على المنشورات والتفاعلات بين الحين والحين.
أشعر بتأنيب الضمير لعدم اهتمامى بهذا الصديق طيلة أشهر عديدة، كما أحمل نفسى الكثير من الإهمال فى حق شخص لم اره الا فى شدتى وحاجتى ومعاركى التى كان يذود فيها عنى ضد من كنت اظنهم أصدقاء، حاولت البحث عن رقم هاتفه على حسابه فوجدت رقما مغلقا وأخيرا وبعد عناء فى البحث عن أكثر المتفاعلين معه فتحدثت معه، وأكد لى أن هذا الصديق أصيب بفقد البصر منذ عدة أشهر، ولم يكتب كلمة واحدة يشكو بها مرضه ولم يلجأ لقول سيدنا ايوب عليه السلام عندما قال (ربى إنِّى مسنى الضُّرُّ وأنت أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وهى اية مشهورة يكتبها كل من شعر بنزلة برد أو انتفاخ فى القولون.
تحدثت مع الصديق المشترك بينى وبينه عن سبب مرضه وما الذى أصاب بصره، فأكد أنه فى دوامة مع أطباء العيون منذ عام كامل، ولكنه لم يبلغ أحدا ولم يشكُ لأحد، وأكد لى الصديق المشترك أنه علم من أحد المحيطين به أنه فضل الخروج على الفيس بين الحين والآخر بمساعدة الأسرة بإعادة نشر ادبياته حتى لا يشعر أحد بغيابه أو بمرضه، تسربت دمعة من عينى على تقصيرى فى حقه وعاد ذهنى للوراء ليذكرنى بشهامته ونبله وكرمه وايقنت أن عدم رده علىّ كان ليس تجاهلا كما كنت اظن، وانما كان أمرًا يصعب على امثالى أن يتحمل جزءا ولو يسيرا مما تحمله صديقى الذى لا أعرفه وودت لو انى استطيع أن أستبدله بمن كنت اظنهم اصدقاء لى يوما ما.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض