على فكرة
لم تكن هناك ضرورة، على أن تحرص قيادات حماس فى غزة على رفع أنصارها، علم الحركة بدلا من العلم الفلسطينى احتفالا بما تسميه «النصر الإلهى «، إذا كانت تقرأ جيدا نتائج الحرب الآخيرة على غزة، وتسعى لاستثمارها لصالح القضية الفلسطينية. ولم تكن هناك حاجة ملحة ، لكى يوجه إسماعيل هنية من مخبئه فى الدوحة التحية لإيران لدعمها المقاومة بالمال والسلاح والتقنيات، برغم التحفظ الإيرانى، الذى عبر عنه الدكتور «سعيد محمد» عضو الحرس الثورى الإيرانى والمرشح فى الانتخابات الرئاسية الإيرانية، حين قصر الدعم الذى قدمته إيران للمقاومة الفلسطينية فى غزة ،على الجانب الاستشارى فقط.
مخاطر الإصرار على ذلك اللون من الخطاب الاستعراضى ،أنه يضفى مسحة دينية على المقاومة الفلسطينية، ويحزًبها لصالح حركة جماعة الإخوان، وفرعها الحمساوى فى غزة، بما يرسخ الانقسام بين فصائلها فى الضفة والقطاع . فضلا عن أنه يمنح مشروعية، لما قام به اليمين الإسرائيلى، من جعل الدين اليهودى قومية، لمواصلة الفصل والتمييز العنصرى ضد عرب 48 . والأخطر من هذا وذاك، أنه يعزز أكاذيب» نتينياهو» ،أنه بسحق غزة، وتدمير بنيتها التحتية، وقتل مدنييها ،إنما يكافح الإرهاب، ويصد عن الغرب مخاطره، ويتصدى للتمدد الإيرانى فى المنطقة .
الدعم الإيرانى لفصائل المقاومة الفلسطينية فى غزة على كافة الأصعدة، ليس سرا، وهل كانت إسرائيل تستطيع البقاء لولا الدعم المالى والعسكرى والسياسيى الأمريكى والغربى لها ؟. لكن موازين القوى السائدة المختلة لصالح إسرائيل، وحصد خسائرها مقارنة بخسائر جبهة المقاومة تحتاج مواقف مغايرة . تحتاج كذلك حسابات دقيقة، تأخذ بعين المسئولية الانقسام الفلسطينى والتطورات الإقليمية والدولية ، التى دفعت بتطبيع عربى غير مسبوق مع إسرائيل، وجعلت إيران طرفا فاعلا فى معظم الصراعات العربية الدائرة ، و حملت إدارة بايدن الديمقراطية إلى السلطة، بما يغلب المنطق الوطنى الفلسطينى بعيدا عن الموقف الإيدولوجى والانتماء الحزبى، ويدفع قادة المقاومة وقادة السلطة الوطنية الفلسطينية للعض بالنواجذ، لجعل نتائج تلك الحرب فرصة ،لإحياء القضية الفلسطينية كحركة تحرر وطنى من احتلال استيطانى عنصرى، وليست مجرد قضية إنسانية. ولعل القرار الأخير لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بإنشاء لجنة تحقيق دولية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، والقدس الشرقية لبحث الانتهاكات الإسرائيلية أن يكون مدخلا لتوحد الصف الفلسطينى خلفه، بعد أن عززته المفوضية السامية للمجلس « ميشيل باشيليت « حين أعلنت أن الهجمات العشوائية، وغير المتناسبة ،التى نفذتها إسرائيل فى غزة ، يمكن أن تشكل جرائم حرب، حيث تبين أن المنشآت المدنية لم تكن تستخدم لأغراض عسكرية .
قد يبدو الطريق نحو ذلك عسيرا ،لكنه غير مستحيل.صحيح أن وزير الخارجية الأمريكى «أنتونى بلينكن «طالب فقط فى جولته فى المنطقة، بتوفير الأمن لكلا الشعبين ، لكن التسوية السياسية التى تدعم حل الدولتين ، والقائمة على إنهاء الاحتلال وتطبيق القوانين الدولية، باتت على جدول أعمال المجتمع الدولى . كما عاد الحديث مجددًا عن إحياء عمل اللجنة الرباعية الدولية فى الشرق الأوسط ، التى تضم هيئة الأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، ومدها بالدعم السياسى والمالى، بعد أن أثبتت الحرب، أن الحلول العسكرية عاجزة عن حسم الصراع، وأن هدنة مؤقتة سوف تبقى الصراع على حاله، ولن تجنب الطرفين مزيدا من الضحايا والخسائر المادية والسياسية، ولن تجلب استقرارًا للإقليم .
تصدر الدور المصرى النزيه والمخلص فى المشهد الراهن ،والذى ينطوى على خبرات متراكمة فى التفاوض مع إسرائيل، وكفاءات لا حدود لمهارتها للحوار مع الفصائل الفلسطينية، يحيى الأمل فى إمكانية، ترميم منظمة التحرير الفلسطنية، ووحدة فصائلها، للبدء فى حل جذرى لا وقتى للقضية .