رادار
أنتجت جائحة كورونا ما لم تتوقعه!..
طفل صغير لا يتجاوز عمره 10 سنوات يجلس داخل صندوق سيارة خاصة فى منطقة عامة خالية من المارة.. أمامه طاولة خشبية تشبه ما كان له فى مدرسته.. يقف المُعلّم على الأرض مرتدياً الكمامة وملتزماً بالتباعد الاجتماعى، ليعيش الاثنان تفاصيل حصة دراسية غير تقليدية لم يتوقعها المعلم يوماً، ولن ينساها هذا الطفل فى حياته!
حدث ذلك فى إندونيسيا التى عادت لافتتاح مدارسها بشكل جزئى أمام أكثر من 68 مليون طالب وطالبة مؤخراً، إذ تحولت صناديق سيارات خاصة فى بعض مناطقها إلى فصول دراسية فى الهواء الطلق.
اجتهد المعلمون هناك بكل إنسانية، من أجل ضمان استمرارية تعليم طلبتهم فى القرى والمناطق البعيدة والتى لا تتوافر فيها خدمة الإنترنت!
استطاع وباء كورونا كسر كل ما هو تقليدى أو متفق عليه فى تعليمنا وفى حياتنا، وأوجد فى حياتنا ذكريات لا تنسى من الألم والأمل طوال عام كامل كان حافلاً بالكثير من المفاجآت والأشكاليات والتحديات!
إذا قُلتَ بأن الوباء قد صنع أسلوب حياة لنا، فستكون على صواب بكل تأكيد، وذلك بعد أن جعل الوباء من التغيير «ضرورة حتمية» وأوجد واقعاً جديداً لا يشبه بأى حال من الأحوال ما كان فى السابق!
وأنت تقرأ هذه السطور الآن، هناك ما يقارب 146 مليون طالب وطالبة فى 28 دولة حول العالم لا يزالون متأثرين حتى تاريخه بسبب استمرار إغلاق مدارسهم، وذلك فى مقابل أكثر من 751 مليون طالب وطالب قد عادت مدارسهم بشكل جزئى على الأقل عبر اعتماد نماذج وأساليب مختلفة من «التعليم الهجين» والذى يمزج بين نموذجى التعليم عن بعد والتعليم وجهاً لوجه فى المدارس تبعاً لاختيار أولياء الأمور وبما يتناسب بالطبع مع قدرات وإمكانيات المدارس ذاتها!
فى مثل هذا اليوم من العام الماضى، كان هناك أكثر من مليار و320 مليون طالب وطالبة يشكلون نحو 75% من إجمالى أعداد الطلبة المسجلين عالمياً قد تأثروا بسبب إغلاق مدارسهم فى أكثر من 136 دولة!
إنها مجرد مقارنة سريعة من واقع منصة التحديث اليومى لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة « اليونيسكو»، والتى ربما تكشف عن أن قطاع التعليم يتخذ طريقه نحو التعافى بوتيرة أسرع من القطاعات الأخرى، لكنها تشير فى الوقت ذاته إلى أن التحدى ما يزال قائماً، وتحمل بين طيَّاتها قصصاً إنسانية بامتياز وتجارب واقعية تبرهن على أن «التكاتف والتعاون بين أفراد المجتمع» هو الأساس لضمان استمرارية تعلم الأطفال حول العالم فى مختلف الظروف والأحوال!
لقد نَفَض وباء كورنا الغبار عن أشكاليات ومشكلات كان مسكوتاً عنها فى تعليمنا وفى أدق تفاصيل حياتنا، لكنه فتح الباب – الذى لم يُغلق بعد - أمام معلمين وطلبة وآباء وأمهات للبحث عن بدائل جديدة وإنسانية تتيح فرص التعلم أمام أطفالهم فى أى وقت وفى كل مكان.
الخلاصة: حاول أن تعود بذاكرتك وذكرياتك إلى مثل هذا اليوم من العام الماضي؛ إلى حيث الإغلاق التام والبقاء فى المنزل لفترات طويلة مع تطبيق التعلم عن بعد كخيار الضرورة الذى لا بديل عنه آنذاك.. تأمَّل هذه الأيام جيداً، وحاول أن تسأل أقرب طفل إليك الآن: هل يتمنى لهذه الأيام أن تعود مجدداً؟
سوف تكتشف الفارق بنفسك فى إجابات الأطفال من حولك، وربما تمنيت لو أن استجابتك وقتها كانت أكثر سرعة وأكثر مرونة وأكثر ثقة وأكثر تكاتفاً مع معلمى أبنائك ومدرستك وأقرب الناس إليك.
إنه ببساطة خيارنا الوحيد الذى لا يزال قائماً حتى الآن لتجاوز التحديات والخروج منها أقوى مما كان، ومما كنا!
نبدأ من الأول
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض