نحو المستقبل
سعدت سعادة بالغة بخبرين جميلين أتيا من المملكة العربية السعودية ؛ أولهما خبر إنشاء أو تأسيس الجمعية الفلسفية السعودية؛ إذ إن هذا يعد إيذانا بأن المجتمع المدنى السعودى قرر أن يعيد للتفكير العقلى النقدى مكانته وأن يعتمد التفكير العقلى كأساس للتحديث فى كل مجالات الحياة من تحديث الخطاب الثقافى والدينى إلى التحديث الاجتماعى والاقتصادى وإطلاق الحوار بين الأجيال للتقدم نحو عصر نهضة جديد بالمملكة .أما الخبر الثانى فكان أن وزارة التعليم قررت إدخال تدريس الفلسفة كأحد المقررات الرئيسة بالتعليم فى المرحلة الثانوية . وهو فى اعتقادى قرار شديد الأهمية حيث افتقرت المناهج التعليمية السعودية إلى المقررات الفلسفية والمنطقية التى من شأنها تدريب العقل على التفكير النظرى المجرد من ناحية وعلى السلوك الراشد المستقل من ناحية أخرى.
ولاشك أن هذين الخبرين يؤشران معا على أن الحياة الفكرية والعقلية ستزدهر فى المملكة كما ازدهرت العام الماضى الحياة الفنية حيث سيتواكب كل ذلك مع حركة التحديث القوية والفاعلة التى يقودها الأمير محمد بن سلمان، والحقيقة أن العداء التقليدى للفلسفة ودراستها فى المملكة كان أمرا غير مفهوم ؛ فالإسلام هو دين العقل ومعجزته الحقيقية هى الكلمة (القرآن الكريم ) التى تتحدى العقل فى كل زمان ومكان وتدعوه إلى التأمل فى جنبات الكون لكشف الحقيقة وإدراك الوجود الإلهى ومن ثم الايمان بالرسالات السماوية؛ فالحق لا يضاد الحق، والايمان الدينى لا يتعارض مع الايمان العقلى بل يتخذ منه أساسا يستند إليه ويعضده.
إن الفلسفة ليست أبدا ضد الدين أو تقلل من التدين بل هى على العكس من ذلك ؛ إنها كما قال الفيلسوف المسيحى كلمنت السكندرى فى القرن الثانى الميلادى «الطريق الملكى للإيمان بالله»، وهى كما قال الفيلسوف العربى المسلم الكندى - فى دفاعه عن الفلسفة ضد من كانوا يحرمونها من غلاة الفقهاء ورجال الدين فى القرنين الثانى والثالث الهجريين- فى رسالته إلى الخليفة العباسى المعتصم بالله «علم الأشياء بحقائقها .. ويحق أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء بحقائقها وسماها كفرا لأن فى علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة » .
وإذا كان البعض لايزال يحاجج بما قاله الإمام أبو حامد الغزالى فى تكفير الفلاسفة فهو لم يحرم الفلسفة ذاتها بل كل ما هنالك أنه اختلف مع الفلاسفة المسلمين السابقين عليه فى ثلاثة مسائل محددة ومعروفة فى كتابه « تهافت الفلاسفة » ولتلاحظوا عنوان الكتاب فهو يناقش الفلاسفة وليس ضد الفلسفة ، وعموما فقد رد عليه فقيه الأندلس والفيلسوف المسلم الشهير ابن رشد فى كتابه « تهافت التهافت ».
وأكد على أن الاختلاف فى التأويل طالما امتلك المفكر أدواته لا يوجب أبدا أن يكفر أحدهم الآخر! والجدير بالذكر أن ابن رشد – الذى بدأ عصر النهضة الغربية متأثرا بفلسفته العقلانية النقدية – قد نجح فى كتابه « فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال » فى التأكيد على أنه لا تعارض مطلقا بين الفلسفة والدين؛ إذ « إن يقينه يزداد يوما بعد يوم أنه يمكن الجمع بين « المعقول » – أى المدرك بالعقل - و«المنقول» – أى المنقول من النص الدينى – لأن الحق لا يضاد الحق مطلقا » .
وبعيدا عن كل هذا الحوار القيم والبناء فى تراثنا العربى الإسلامى فإننا لا ندرس الفلسفة لنحفظ أو لنلقن الطلاب والناس آراء الفلاسفة وأفكارهم وإنما ندرس هؤلاء الفلاسفة ومذاهبهم لنتعلم ولنتدرب من خلالهم على إعمال العقل وكيفية التفكير العقلى واكتساب مهاراته فى فهم وتفسير وحل مشكلات الواقع فضلا عن كيفية قراءة واستشراف تطورات المستقبل. ومن هنا فنحن نحيى من اتخذ هذه الخطوات المهمة والجريئة ليزيل العوائق أمام مواطنى المملكة ليتمتعوا حقا بنعمة العقل الذى خلق ليفكر وليجعل منا أفرادا قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ ، قادرين على الشعور باستقلالنا الفكرى وبكوننا أفرادا نتمتع بحرية التفكير وحرية إبداء الآراء وحرية البحث العلمى ومواصلة طريق الإبداع الذى افتقدناه منذ زمن بعيد ونريد اليوم أن نسترد كل ذلك لنكون فادرين على صنع عصر نهضتنا الجديد والمشاركة الفاعلة فى التقدم الحضارى للبشرية .