رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحو المستقبل

نعيش الآن عصرا من التقدم سمته الأساسية وربما الوحيدة هى أنه عصر التكنولوجيا المتقدمة والتى لاتتوقف عن التقدم مخلفة وراءها كما هائلا من المخلفات للمنتجات القديمة التى استهلكت أو بمعنى أصح قد فات أوانها ، إنه العصر الذي يضاف فيه كل لحظة منتجات تكنولوجية جديدة يصبح معها المنتج القديم السابق عليه لاقيمة له، ولا تقتصر فيه هذه السمة على مجال تكنولوجي معين دون غيره بل فى كل مايستخدمه الانسان من منتجات تكنولوجية من التليفون المحمول والشاشات التليفزيونية حتى صابون غسيل الوجه والمنظفات الصناعية، إننا نعيش فى عالم غلبت فيه الصنعة على الطبيعة بتعبير القدماء ودهست فية التكنولوجيا انسانية الانسان بتعبير الفيلسوف الألماني الشهير مارتن  هيدجر.

ولايندهش القارئ من أننى أصبحت أتخيلنا كبشر  أشبه بكائنات صغيرة هشة تقف مشدوهة أمام ذلك الكائن التكنولوجي  الضخم منتظرين أن يدهسنا بقدميه الغليظتين ويقضى على كل مابقى لدينا من مشاعر وعواطف يضمها جسدنا الضئيل المكون من لحم وعظم، وكثيرا ما أتساءل : هل لم نعد قادرين بحق على وقف نمو هذا الكائن التكنولوجى الذي يتضخم وتتعاظم قدراته يوما بعد آخر دون أن نملك له زماما رغم أننا من صنعناه وطورناه، إن السينما الأمريكية كثيرا ماعبرت عن علاقة الانسان بهذا العالم الآلى الضخم وتكنولوجياته التى ربما تطورت وخرجت عن سيطرة مبدعها من البشر، إنها ستكون لحظة رهيبة ، لحظة أن تتواصل هذه الآليات مع بعضها وتقرر فى لحظة فارقة من عمر هذا العالم الطبيعي أن تقضى علينا وتتجول هى وحدها فى هذا العالم الرحب بعيدا عن سيطرة البشر!!

وياليت الأمر يقتصر على تحدي عالم الروبوتات ومشكلاتهم ، بل إن التكنولوجيات الخاصة بالتقدم فى مجال الزراعة والصناعة هو الآخر يمثل تهديدا وجوديا لحياتنا على هذه الأرض فما يخلفه التقدم الصناعى من تلوث للبيئة والقضاء على الموارد الطبيعية واستنفاد كل ماهو طبيعي يكاد يخنق امكانية الحياة على ظهر الأرض، ليس فقط الحياة البشرية بل حياة كل الكائنات الحية، إن ما أصبحنا نعتمد عليه من  الخضراوات والفواكه المهندسة وراثيا والمنتجة فى غير بيئاتها ومواعيدها الطبيعية فضلا عن المأكولات المعلبة والمصنعة قد أصابتنا بالكثير من الأمراض التى لم نعد قادرين رغم كل التقدم العلمي فى علوم الطب والصيدلة والعلوم البيولوجية والكيميائية والفيزيائية على مواجهتها والتعلب عليها، وإذا ما أضفنا ماترتب على كل ذلك من مشكلات التغير المناخي التى أصبحت خطيرة لدرجة التهديد المستقبلي بفقدان اليابسة وغرق مساحات و مدن كثيرة فى العالم ، سنجد أننا قطعنا الشوط الأكبر من القضاء على أنفسنا بأنفسنا ، ولقد صدق مؤلفي كتاب « تاريخ المستقبل « حينما تنبأوا بأن سكان الأرض عام 2900 الذين لن يتعدى تعدادهم نصف مليار انسان سينظرون إلينا كسكان القرن الأول من الألفية الثالثة بأننا كنا مجانين التكنولوجيا والحياة المصنعة وأننا بهذه الحياة المصنوعة المليئة بالصراعات قد تناسينا أننا بشر يحق لنا أن نستمتع بكل ماهو طبيعي كما هو طبيعى.

وهنا أجدنى أتذكر مقولة هذا الفيلسوف الصينى القديم لاؤ تسي الذي قال منذ القرن السادس قبل الميلاد ساخرا من تدخل الانسان فى الطبيعة « إن خير مايفعل الانسان هو ألا يفعل شيئا «.

وليس غريبا أن يتنبه فلاسفة عصرنا الحالي إلى قيمة هذه الدعوة القديمة التى لم تكن فقط دعوة صينية بل هى أيضا دعوة يونانية قديمة تبناها فلاسفة مدرسة من المدارس  السقراطية الصغرى  وتبناها كذلك فلاسفة المدرسة الرواقية بعد ذلك من خلال دعوتهم لمبدأ « العيش وفقا للطبيعة «  وأتباع هؤلاء وأولئك من فلاسفة القرون الوسطى مسيحيين ومسلمين ، وليس بعيدا عن ذلك أيضا  فلاسفة الصوفية وأتباع الحركات  الصوفية الزاهدة فى مطالب الحياة المادية اللذية الموجودين فى كل العصور من أتباع الديانات المختلفة، أقول ليس غريبا فى إطار ماسبق أن نجد تيارا كبيرا متناميا من فلاسفة عصرنا الحالي يدعون بكل قوة إلى ضرورة أن يتغير الفكر العالمي المعاصر من أجل بشرية أكثر انسانية، وقد قرأت على مدار الأسابيع الماضية عدة مؤلفات فى هذا الصدد أذكر لكم منها الآن كتاب ايدموند ج. بورن « التغير العالمي من أجل بشرية أكثر انسانية « الذي نقلته إلى العربية  سماح خالد زهران ونشره المركز القومي للترحمة،

والسؤال الآن : هل أدركنا خطورة مانحن فيه من مشكلات التقدم الكنولوجي المتلاحق واللامحدود وهل يمكن أن نبدأ بأنفسنا متجهين إلى التقليل قدر المستطاع من اللهاث وراء كل تكنولوجيا جديدة  وأن نبدأ من الآن العودة إلى كل ماهو طبيعى والاقتراب من أمنا الأرض مبتعدين عن قهرها والاستبداد بها  واستنفاد كل خيراتها تاركين شيئا من هذه الخيرات للأجيال البشرية اللاحقة ؟! أتمنى ذلك