إن دراسة العولمة يجب أن توضع فى سياق زمنى لكى تكون أكثر فائدة. وحتى الفحص العرضى للماضى يكشف عن روابط كبيرة بين المجتمعات. لقد اتخذت هذه التبادلات أشكالًا عدة كالتجارة، والهجرة، والفتح، والزواج المشترك، وغير ذلك من الأنشطة. ويكشف التحليل الدقيق عن أنماط فى مثل هذا التفاعل من شأنها أن تساعدنا فى تحديد العولمة بشكل أكثر وضوحا باعتبارها عملية طويلة الأمد ذات طبيعة دورية.
لذا فإن علم الآثار يشكل أهمية بالغة لتوسيع دراسة العولمة على هذا النحو فى كل من الفترات التاريخية وفترات ما قبل التاريخ؛ فهو يوفر بيانات عن الأماكن والأشخاص غير المدرجين فى الوثائق التاريخية، كما يسمح بفحص الفترات قبل ظهور الكتابة فى مصر القديمة–أرض الفراعنة – والتى هى إحدى أقدم الحضارات فى العالم. وجاءت مقابرها ومعابدها الهائلة، المزينة بمؤلفات هيراوية وحروف رسمية، مصدرًا للرهبة والإعجاب لآلاف السنين. فقد أضافت الفنون والحرف ذات الجمال العظيم، وكذلك تلك الأدلة العضوية المحفوظة على مر التاريخ (وخاصة المومياوات) إلى افتتان مصر القديمة.
«كيف فعلوا ذلك؟ إنه سؤال يطرح فى كثير من الأحيان عن قدماء المصريين الذين يقومون أحياناً بإثارة الكثير من المناقشات والتفسيرات الخيالية. فعلى سبيل المثال، قيل إن الهرم الأكبر فى الجيزة (الذى بناه خوفو فى الأسرة الرابعة)، وكان أكبر هيكل فى العالم حتى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، لم يكن ليبنى دون المعرفة التكنولوجية والرياضية لحضارة سابقة، وهذا التفسير يستند كليا على معتقدات خيالية لا تعود إلى المصريين القدماء بالذكاء والقدرة على تنظيم وتنفيذ مثل هذا المشروع.
هنا تكمن هوية مصر الثقافية فى كونها «مصر»: أقدم وأطول دولة فى تاريخ البشرية. لطالما كانت مصر كيانا منفصلا ومعقدا، ظهر على مراحل ينتج فيها طبقات حضارية متراكمة فوق الأخرى. فتاريخ الفن التشكيلى المصرى متأثر بطبيعة الحياة فى مصر بكل التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فهو طريقة مثلى لتوثيق تاريخ مصر منذ العصور القديمة وحتى الآن. ولعل الفن الفرعونى المصرى هو أشهر أنواع الفنون القديمة فى حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث يتميز بالعمارة وأسلوبه الخاص فى الرسم والنحت بالحجارة. تم تطوير الفنون والحرف المصرية إلى حد كبير على مدى قرون عديدة، دون عوائق بسبب غزو خارجى أو صدمات داخلية (الفن المصرى القديم).
كانت الحضارة المصرية شديدة التدين، لذلك كان المقصود بالفن الفرعونى تمجيد الآلهة والفرعون، وثانيا التأكيد والحفاظ على قيم الحياة. وخلال العصر الهلنيستى البطلمى، تأثر الفن المصرى بالفن اليونانى الذى شجع التمثيل الطبيعى للأفراد، والذى على سبيل المثال، ظهر فى صور الفيوم (أغريباس) (كتاب الموتى). وقد عرض الفن القبطى فى الأصل مزيجا من المؤثرات المصرية والهلنستية الأصلية. إنه فن مصر الذى أنتج فى العصور المسيحية الأولى أو للفن الذى أنتجه الأقباط المسيحيون أنفسهم. وتشتهر برسوماتها ومنسوجاتها ووسائل فنية أخرى.
كانت المواضيع والرموز تؤخذ من الاساطير اليونانية والمصرية، وتغيرت أحياناً لتلائم المعتقدات المسيحية. الأيقونات القبطية كانت أكثر اهتماما بالحقيقة الدينية والجمال من الواقعية. وعند فتح مصر العربية فقد سمح للفن القبطى أن يؤثر على الفن الإسلامى والهندسة المعمارية الإسلامية فى العديد من السمات التى أصبحت الآن مدمجة فى الفن الإسلامى (فن مصر القديمة).
أستاذ بعلوم القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض