حكاوى
المفهوم الثانى للوحدة الوطنية، هو المفهوم الدينى، أى الوحدة بين الأقباط والمسلمين. وبداية نقول إن الحق ما شهدت به الأعداء، فقد اعترف اللورد كرومر، المعتمد البريطانى فى مصر، بفشل سياسة «فرق تسد» البريطانية فيها. وكتب أن الأقباط كانوا يواجهون الإنجليز بمشاعر خالية من الصداقة. وأنه لم يجد أى فارق بين سلوك الأقباط والمسلمين فى الأمور العامة، وأكد كرومر أن الفارق الوحيد بين القبطى والمسلم، هو أن الأول يصلى فى كنيسة، والثانى يصلى فى مسجد، أى أن الاختلاف الوحيد بين الأقباط والمسلمين هو اختلاف العقيدة الدينية، الذى لم يؤثر على انتمائهم الوطنى.
وكان سعد زغلول يرى فى اعتماد مصر على شعبها وحده، بشقيه: الأقباط والمسلمين، الطريق الصحيح للعمل الوطنى فى سبيل الحصول على الاستقلال، ولهذا كانت الوحدة الوطنية لديه، أساسًا راسخًا لمحاربة الاحتلال البريطانى.
وتألف الوفد فى 13 نوفمبر 1918 على أساس مصرى جامع لكل فئات وعناصر الأمة، فبادر الأقباط بالانضمام إليه، وسارع فخرى عبدالنور وويصا واصف وتوفيق أندراوس، لمقابلة سعد زغلول، الذى رحب بانضمام ممثلى الأقباط إلى الوفد، وكان أولهم واصف غالى، ثانى أبناء بطرس غالى، رئيس الوزراء الذى اغتيل سنة 1910 وكان موجودًا فى باريس. فذهب إليه سفير بريطانيا فى باريس، وقال له: كيف تضع يدك فى يد من قتلوا أباك؟ فرد واصف غالى قائلًا: هذا خير لى من أن أضع يدى فى يد من قتلوا وطنى!
ثم انضم إلى الوفد سينوت حنا عضو الجمعية التشريعية، وجورج خياط من كبار أعيان أسيوط، وحلفا اليمين يوم 2 من ديسمبر 1918. وسأل جورج خياط، سعد زغلول عن مصير ومركز الأقباط بعد انضمامهم للوفد. فأجاب سعد: «اطمئن إن للأقباط ما لنا من الحقوق وعليهم ما علينا من الواجبات على قدم المساواة».
ومنذ ذلك اليوم، انضمت الأغلبية الساحقة من الأقباط إلى الوفد، واندمجوا فى تشكيلاته كافة.
والذى يتأمل فى أسماء أعضاء التشكيل الأول للوفد، وفى أسماء لجانه القيادية المتوالية (طبقاته)، يتأكد من أنه كان يمثل الشعب المصرى، بكل أديانه وتنظيماته وأحزابه وفئاته وطوائفه، وقد انصهروا جميعًا فى بوتقة ثورة سنة 1919، فكانوا مثالًا للوحدة الوطنية بمفهومها الشامل، كما يتأكد من أن الوفد كمؤسسة سياسية بنى على أساس مصرى واحد جامع، تألفت قيادته وقواعده على مبدأ المواطنة دون الدين، ولم يحدث أى موقف من أعضائه يحمل شبهة التفرقة الطائفية. وكانت الخلافات بين الأعضاء لأسباب لا شأن لها بالدين.
وكما هناك تقدير للدور الذى لعبه الوفد كقائد للحركة الوطنية، وما أنجزته ثورة 1919. ولكن ما لا يوجد خلاف عليه أنه هو دور الوفد فى مزج قوى الأمة المصرية فى كيان واحد على قاعدة المواطنة.
.. وللحديث بقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض