نحو المستقبل
لا شك فى أن الأغلبية العظمى من مستخدمى الفيس بوك وأدوات التواصل الاجتماعى الأخرى يتصورون بأن مساحة الحرية التى يتمتعون بها أصبحت أكبر، بل ربما غير محدودة ولذلك أصبح الفيس بوك أشبه بالحائط الحر الذى يكتبون عليه كل ما يعن لهم من هموم شخصية ومن آراء سياسية ومن انتقادات لكل من حولهم ولكل ما لا يعجبهم فى محيطهم الاجتماعى والسياسى. ومن ثم فقد أصبح الفيس بوك مؤخرا أداة لممارسة الحريات السياسية وللدعوة للاحتشاد وللثورات والتمردات على النظم السياسية فى البلدان المختلفة وما حدث فى مصر والبلاد العربية الأخرى منذ عام 2011م كان خير مثال على ذلك للدرجة التى أدهشت العالم كله وجعلت البعض يصف هذه الثورة ومثيلاتها بثورة الفيس بوك، لقد أصبح الفيس بوك من بين وسائل الاتصال الاجتماعى رمزا فى نظر الكثيرين لممارسة الحريات جميعا بدءا من حرية التنفيس والفضفضة والتعبير عن الذات حتى ممارسة حرية التعبير والاعتقاد وحرية التظاهر والرفض للنظم السياسية.. الخ.
والحقيقة.. إن هذه الصورة الوردية ليست صحيحة فى مجملها ولا فى تفاصيلها؛ فبقدر ما يعد الفيس بوك أداة حرة للتعبير وممارسة الحريات الافتراضية وربما الواقعية فى بعض الحالات بقدر ما يعد أداة للرقابة تسوغ للسلطات المختصة القمع والعقاب! فما يكتبه البعض على هذا الحائط الافتراضى ممارسا لحريته الشخصية فى التعبير والنشر سرعان ما يتحول فى أحيان كثيرة إلى أداة عقابية ضده سواء على مستوى الأشخاص العاديين بينهم وبين البعض أو بين هؤلاء الأشخاص وبين السلطات الأمنية والسياسية فى بلدانهم، فعلى سبيل المثال إذا ما نشر أحدهم صورة أو رأيا خادشا للحياء أو يضر بآخرين فى مؤسسته التى يعمل فيها أو فى محيطه الاجتماعى سرعان ما يقع تحت معول المساءلة والعقاب بموجب القانون فى معظم دول العالم، وكم خسر الكثيرون وظائفهم نتيجة لهذا الاستخدام المسىء للحرية فى انتقاد مؤسسات العمل وأصحاب الأعمال، وكم خسر الكثيرون علاقاتهم الاجتماعية والأسرية نتيجة لنفس هذه الممارسة المسيئة للحرية على هذا الحائط الافتراضى! ونفس الشىء بل أكثر منه يحدث إذا ما نشر أحدهم رأيا شخصيا نقديا أو ساخرا حول هذا النظام السياسى أو ذاك أو عن هذا الزعيم السياسى أو ذاك، فهذه الآراء السياسية النقدية الساخرة كثيرا ما أوقعت أصحابها فى مواجهة مع السلطات الأمنية فى بلدانهم وأخضعتهم للمحاكمة والعقاب البدنى والسجن. وقد صدق الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو حينما قال فى كتابه الشهير «المراقبة والعقاب»: إن السلطة تعمل من خلال طرق فعالة من المراقبة وهى عادة ما تنجح فى تطوير تكنيكات المراقبة بدعوى الحفاظ على النظام العام!
وقد يكون من الحقائق المزعجة - على حد تعبير وادك دويل وماليو فريزو فى مقال لهما نشر ضمن كتاب «الفيسبوك والفلسفة» ل دى إى وتركوور فى ترجمته العربية عن «الفيس بوك والمراقبة والسلطة» - أننا اليوم خاضعون لدرجة ما من المراقبة المتمأسسة حتى فى ظل الديمقراطيات الليبرالية، فلا يمكننا الهروب من مراقبة الفيديو فى أماكن صف السيارات وفى ممرات المكاتب وفى ماكينات الصراف الآلى ليل نهار! فما بالك بما نكتبه أو ننشره على هذا الحائط الالكترونى الذى يمثل بلا شك - لكل من يريد مراقبتنا - أداة رقابية موثقة ولا مهرب منها!!. خذ مثلا على ذلك ما نشرته صحيفة الديلى تلغراف البريطانية عام 2009م من أن الحكومة بصدد اتخاذ خطوات تتجاوز المراقبة بالفيديو وذلك بفرض شرط قانونى مفاده أن يحتفظ جميع مقدمى خدمات الاتصالات والانترنت بـ «تسجيل لكل اتصالات العملاء الشخصية التى تبين أطراف الاتصال وكذلك متى وأين وأى موقع إلكترونى يستخدمون». وقد فعلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الشىء نفسه عندما قالت إنها استثمرت فى شركة للرصد الاجتماعى على الانترنت تسمى «التكنولوجيات المرئية» بوصفها أداة من أدوات تجميع المعلومات من كل المصادر المتاحة، خاصة من مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة وأشهرها بالطبع الفيس بوك والتويتر والمدونات الخاصة واليوتيوب.. الخ. والأمر فى هذا الصدد لا يقتصر على الجهات الأمنية والحكومية فقط بل يمتد إلى عالم الشركات الخاصة، حيث إن السر المعلن فيها أنها تمارس مراقبة تستند فيها على التنقيب على الانترنت بكل ما فيه من معلومات حول المرشحين للوظائف بها.
وكل ذلك وغيره كثير يؤكد أن ما نتصوره مجالا لممارسة أقصى قدر من الحرية فى التعبير والنشر إنما يمثل واحدا من أهم عوامل المراقبة السلطوية للحد من هذه الممارسة للحرية فى هذا الفضاء الالكترونى وعلى هذا الحائط الوهمي- حائط الفيس بوك!!