نحو المستقبل
قد يبدو العنوان السابق غريبا ومدعاة للدهشة عند القارئ الكريم الذى من حقه أن يتساءل : ما علاقة أرسطو فيلسوف اليونان فى القرن الرابع قبل الميلاد بالفيس بوك الذى يعد أشهر مواقع التواصل الاجتماعى فى عالم الفضاء الالكترونى الآن ؟! وللقارئ المندهش أقول أن أرسطو والفيس بوك شغلهما الشاغل هو نفس الموضوع – موضوع الصداقة ؛ فقد شغل الفيلسوف اليونانى القديم بالصداقة واعتبرها من أساسيات حياة الانسان السوى إذ لايمكن للانسان أن يحيا بدون صداقات وكلما اتسعت دائرة صداقاته كانت حياته أكثر استقرارا وأكثر سعادة. وقد اعتبر ارسطو أن الصداقة من هذه الزاوية أهم الفضائل الأخلاقية فى المجتمع الانسانى ومن ثم خصص لها الكتابين الثامن والتاسع من مؤلفه الشهير فى فلسفة الأخلاق « الأخلاق إلى نيقوماخوس «، ونيقوماخوس هذا الذى وجه إليه الكتاب هو ابنه الذى كان آنذاك فى سن الشباب، واذا كان الكتاب عموما موجها إلى الشباب بدعوى أنهم عادة ما يسيئون الاستماع إلى الموضوعات الأخلاقية وأراد الفيلسوف بمناقشته العقلية الهادئة أن يعيد إليهم الاهتمام بها، فقد كان من الطبيعى أن يهتم بمناقشة أهم موضوع يستهوى الشباب وهو موضع الصداقة والأصدقاء: كيف يتم التعرف عليهم ؟ومن الأجدر أن يسمى صديقا؟ وهل كل الأصدقاء سواء؟ وماقيمة الصداقة فى الحياة؟.. الخ.
وبالطبع فهذا هو ماكان يشغل بال مارك زوكربيرج مؤسس الفيس بوك عام 2004 م حيث كان يريد لمستخدمى هذا الموقع التواصل فيما بينهم كأساتذة وطلاب وأن يلتقوا فيه للتعارف وتسجيل بياناتهم الشخصية وتبادل الصور والرسائل النصية . لقد كان الهدف الذى سعى إليه مارك هو تكوين علاقات الصداقة الحميمية بين الاساتذة فى جامعته وبين الطلاب الجدد وبين الطلاب بعضهم البعض حتى يعيشوا فى مجتمعهم الجامعى حياة الصداقة الحقيقية ، لكن سرعان ما تجاوز هذا الموقع على الشبكة العنكبوتية هذا الهدف المحدود ليصبح أداة للصداقة بين كل الأفراد المستخدمين له فى كل العالم ، أصبح أداة لاحياء الصداقات القديمة بين الأصدقاء والجيران وزملاء الدراسة عن طريق محرك البحث والسؤال عنهم ، أصبح أداة لتكوين واكتشاف صداقات جديدة بين أناس كثيرين ربما بحكم الاشتراك فى الاسم أو فى المهنة أو فى الاهتمام أو ربما بين أناس يختلفون فيما بينهم فى كل ذلك ، لقد أصبح الفيس بوك إذن أداة للصداقة والتصادق بين أناس ربما لم ولن يلتقوا أبدا وجها لوجه فى أرجاء العالم الأربعة على اختلاف الأجناس والأماكن ، لقد اخترقت صداقات الفيس بوك الحواجز الفيزيقية والمكانية والزمانية وأصبحنا نعيش عصر الصداقات الافتراضية وليس عصر الصداقة المباشرة التى يكون الأساس فيها اللقاء الجسدى المباشر عبر أدوات التلاقى التقليدية فى المدرسة والمنزل والجامعه والعمل ..الخ.
وهنا يكون استدعاء رؤية أرسطو للصداقة ضروريا فهو قد ميز بين نوعين أساسيين من الصداقة يقوم كلاهما على المفهوم التقليدى للصداقة المباشرة ؛ الصداقة الحقيقية والصداقة المزيفة وأعتبر أن الصداقة الحقيقية هى الصداقة طويلة الأمد التى تمتد فى الزمان فى السراء والضراء بين الأصدقاء وهى دائما صداقة فى الخير ينظر فيها الصديق لصديقه باعتباره غاية فى ذاته وليس وسيلة لتحقيق منفعة أو لذة ، ومن ثم فقد كانت الصداقة المزيفة غير الحقيقية عنده هى هذا النمط من الصداقات الوقتية المرتبطة بتحقيق منفعة ما أو لذة ما وهى تنتهى بالحصول على هذه المنفعة أو تلك اللذة . وقد حذر أرسطو الشباب من تلك الصداقات المزيفة وهى الأكثر شيوعا بين الشباب بينما دعا الجميع شبابا وشيوخا إلى البحث عن الصداقة الحقيقية والتمسك بها فبدونها لا يشعر الانسان بالسعادة ولايحيا الحياة السوية . فما بال صداقة الفيس بوك وهل تعد صداقات الفيس بوك صداقة حقيقية أم تنتمى لما أطلق عليه أرسطو الصداقة المزيفة ؟ وهل صداقات الفيس بوك التى تقام فى ذلك العالم الافتراضى تغنى عن الصداقات الحقيقية المباشرة ؟!
هذه التساؤلات وغيرها يجيب عنها مقالنا القادم .