كتاب «مغامرة لينين الرملى» للمثقف الشاعر المصرى جرجس شكرى الصادر عن دار الهلال 2020، يثير العنوان تشويق القارئ ويجعله يتساءل هل كان لينين السندباد البحرى الذى يجوب البحار فى شجاعة وعشق للمغامرة؟.. لنعرف فى النهاية أنها مغامرة الغوص فى بحر المسرح التجارى الذى كان وقتئذ سيئ السمعة، إلى مسرح الدولة، إلى تأسيس فرقته الخاصة.
يبدأ الناقد كتابة «رسالة لن يسلمها ساعى البريد» يشير العنوان «لن يسلمها» إلى الموت، ولكنه يرفض كلمة الموت ويرسل إلى لينين الرسالة وهو متأكد أنه يسمعه فهو لم يمت بل قرر بإرادته عندما فقد الذاكرة أن يتوقف عن التواصل مع العالم الذى كان يحاكيه على خشبة المسرح ليعيش وحده فى عالم وحياة خاصة به، وكأن ذاكرته لم تقو على تحمل هموم المصرى المعاصر، فسقطت حتى كان الرحيل إلى عالم ما زال يسمعنا فيه ونستمع إليه ونعيش نبضات قلبه ونستمع إلى ضحكاته التى امتزجت بقضايا مجتمعه وهمومه، ويشير إلى مسرحيته الأولى «إنهم يقتلون الحمير» 1974 إلى الأخيرة «اضحك لما تموت» 2017.
ينتقل الناقد إلى المقدمة، موضحاً كيف كان لينين الرملى ظاهرة وحالة نادرة فى المسرح المصرى، وبدأت شخصيته المتميزة عبر مراحل متعددة سواء فى المسرح التجارى، أو مسرح الدولة أو الفرق الخاصة، وكان فى كل هذه المراحل يقرأ المجتمع فى أسلوب كوميدى وأسئلة اجتماعية أو وجودية يعالج عبث الحياة والمآسى التى يعيشها المصرى بالسخرية فى قالب كوميدى، ويوضح أن لينين لم يكتب نصاً أدبياً للنشر، بل كتب للعرض على خشبة المسرح، ولم يكن ينشر نصوصه إلا بعد عرضها فقراءة أعماله دون العرض قراءة منقوصة.
قسم جرجس شكرى كتابه إلى ستة فصول، وكان يسرد فى كل فصل وينقد ثم يخصص ملحقاً على لسان لينين نفسه، ويعود ويعقب فى نهاية الفصل إذا كان ينتقل من صوته سارداً إلى صوت لينين الرملى نفسه.
كان الفصل الأول تحت عنوان «اللاعب الحريف فى شارع المسرح» يوضح فيه كيف كان اهتمام لينين باللعبة المسرحية على خشبة المسرح من خلال الإنسان بعيداً عن المؤسساتية، ولم تكن بدايته مسرحية خالصة لكنها كانت درامية فى الإذاعة والتليفزيون والمسرح والسينما، بالإضافة إلى كتابة القصة والمقال، وإصدار مجلات مع آخرين، ثم يرفق الفصل بملحق على لسان لينين الرملى، وكان الفصل الثانى تحت عنوان «مغامرة المسرح التجارى» التى بدأت منذ 1974 حتى 1980 تقدم فى هذه المرحلة «إنهم يقتلون الحمير- انتهى الدرس يا غبى- على بيه مظهر- مبروك- حاول تفهم يا ذكى- نقطة ضعف- سك على بناتك»، ثم أضاف ملحقاً كعادته، أما الفصل الثالث فكان تحت عنوان «الميتافيزيقا والفارس فى استديو 80» وهى المرحلة الثانية من 1980 إلى 1991 بين لينين الرملى ومحمد صبحى بتأسيس فرقة «استديو 80» وتعد هذه المرحلة بداية للأفكار الفلسفية والأسئلة الوجودية حول معنى الحرية- الإنسان، وهل تطور الإنسان أم ما زال همجياً؟.. أما المرحلة الثالثة فكانت بعنوان «لينين فى مسرح الدولة» إذ انتهت الثانية مع محمد صبحى، وخصص ملحقاً للمقالات التى كتبت حول هذه العروض، خاصة «أهلاً يا بكوات» فالرواة هنا النقاد.
وكان الفصل الخامس بعنوان «لينين الرملى فى ملابس أبونضارة» وكان لينين فى هذه المرحلة يرتدى ملابس أبونضارة «يعقوب صنوع» رائد المسرح المصرى إذ كان مثله المؤلف والمخرج والمنتج وأحياناً كثيرة مهندس الديكور، وعرض فى هذه المرحلة «اخلعوا الأقنعة- وهم الحب- الغرفة العلوية» وكلها مسرحيات رجل المسرح صاحب الفرقة والمؤلف والمخرج، يخصص الناقد الفصل الأخير السادس تحت عنوان «بعيداً عن خشبة المسرح لينين والسينما» إذ كتب فى هذه المرحلة الفيلم والمسلسل الإذاعى والتليفزيونى، فكانت أول أفلامه عام 1972 لم يتم عرضه إلا عام 2002 تحت عنوان «النعامة والطاووس»، ثم يعود إلى محاورة مع لينين الرملى فهو يرسل الأسئلة إليه بمناسبة بلوغه سن السبعين، ولينين ويجب تحت عنوان «صورة من قريب فى السبعين».
قدم جرجس شكرى دراما لينين الرملى وحياته تقديماً شاملاً فى صور الشاعر وسرد الروائى وحوار الدرامى وثقافة المصرى، شكراً له.