رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

 

يفتح التاريخ أبوابه تباعا، لتنكشف سُتر، وتصحح معلومات، ويُعاد حكي تاريخ لم يُدون رغم مرور عشرات السنين.

من ذلك ما نشره مؤخرا الباحث الأميركي كريستوفر روس، المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة تكساس، وترجمه المترجم الفذ هشام فهمي حول وباء الأنفلونزا الأسبانية في مصر سنة 1918.

إن المرء يندهش كيف لا نجد في مذكرات سياسي، أو مفكر شهير، أو كتابات المؤرخين المصريين أي إشارة لهجمة الوباء على مصر، وما اتخذته الحكومة من إجراءات، وما خلفه من ضحايا. كما نندهش ألا نجد دراسة تالية تناولت الجائحة رغم أنه راح ضحيتها 170 ألف مصري، ورغم أنها كانت وفق ما انتهي إليه كريستوفر روس أحد الأسباب التي أدت إلى ثورة 1919.

يتتبع الباحث المخضرم أوراق ووثائق إنجليزية قديمة ليرصد كيف كانت هجمة الوباء على مصر من خلال ثلاث موجات الأولى في مايو 1918 وكانت خفيفة جدا، والثانية في نوفمبر وديسمبر من العام ذاته، وكانت الأعنف وسقط خلالها صرعى كثر، والثالثة في مارس 1919 وتسببت ثورة المصريين بعد القبض على سعد زغلول في تقليل آثارها.

لقد كان البعض يتصور أن الوباء حمل اسمه لأنه ظهر أولا في أسبانيا، لكن كريستوفر روس يُجزم أنه سمي بالأنفلونزا الأسبانية لأنه قتل أكبر عدد في أسبانيا، وأن صحافة أسبانيا كانت أول من كتب عنه في ربيع 1918.

وفي الموجة الثانية في مصر بدأ الخطر يُجابه الحكومة الأنجلو مصرية وقتها، حيث كانت سلطات الاحتلال البريطانية تشارك في الحكومة من خلال مفتشين لهم صلاحيات واسعة في كافة الوزارات، ما دفعها أن تستدعي كافة الأطباء المصريين للعمل وفق نظام طوارىء لتمتد ساعات عملهم يوميا إلى 15 ساعة. ولم تكتب الصحافة المصرية عن الوباء سوى إشارات محدودة تضمنت تعليمات مدراء الصحة للمرضى بنزلات البرد بالبقاء في بيوتهم.

ويرصد الباحث كيف سرى التخبط وعدم الإتزان إلى الحكومة مع ارتفاع أعداد المصابين، إذ تقرر حظر التجمعات بإجراءات غير فعالة وأغلقت قطاعات وتركت أخرى بعشوائية واضحة، فمثلا تم اغلاق الجامعات، لكن المدارس استمرت مفتوحة، وتم اغلاق السينمات واستثنت المسارح. ناهيك عن اغلاق البارات وترك المقاهي كما هي.

والمؤسف أن الحكومة في ظل الاحتلال وجدت حساسية شديدة في اغلاق المساجد والكنائس واعتبرته شأنًا دينيًا لا يمكن المساس به، ما ساعد على تفشي الوباء. صحيح أن الأزهر أغلق وقتها، لكن الإغلاق تم باعتباره مؤسسة تعليمية وليست دينية.

ووفق الوثائق البريطانية التي اطلع عليها الباحث، فإن الرقم المسجل لوفيات المصريين جراء وباء الانفلونزا الأسبانية بلغ 138 ألفًا، لكنه وفق تقييمه ودراسته الشخصية يقدر الرقم الحقيقي للضحايا بـ170 ألف مصري.

وكان من المثير للانتباه أن أعلى معدل للوفيات وقتها كان بين سنى العاشرة والعشرين، كذلك فقد كانت أعداد الضحايا في الريف أعلى منها في المدن.

وتبقى نقطة مهمة يفترضها الباحث، هي أن أعداد الوفيات نتاج الوباء والتي شكلت أكثر من 1% من عدد السكان كانت سببا في تزايد الغضب تجاه السلطات البريطانية، وساهمت في خروج المصريين بعد شهور قليلة في ثورة 1919 منددين بالقبض على الزعيم الوطني سعد زغلول.

وإذا كانت الموجة الثالثة للمرض ضربت مصر بعد القبض على سعد زغلول في مارس 1919 وكانت موجة خفيفة، فإنها لم تؤثر كثيرًا، لأن كافة وزارات مصر كانت مغلقة وغالبية الموظفين مضربين عن العمل في ظل الثورة المندلعة.

تلك حقائق لم نكن نعرفها، فشكرا للباحثين عن الحقيقة.

والله أعلم .

 

[email protected]