خارج السطر
في كل يوم يثبت التاريخ أن مصطفى النحاس ما زال أقوى من خصومه. بشهادته القديمة التي صدرت مؤخرا في كتاب من تحقيق المؤرخ البارع عماد أبو غازي، والتي يروى فيها يوميات المنفى في سيشل خلال الفترة من ديسمبر سنة 1921 إلى مارس 1923 ينتصر الرجل مرة أخرى على خصومه وكارهيه ومشوهيه.
الشهادة المنسية نامت في أدراج المكاتب مئة عام، وقدر لها أخيرا أن تذاع وتُحرر وتتاح للعالمين. ما أنصف الزمن، وما أعدل الأقدار إذ تعيد بعث تاريخ شوه، وطُمس، وأُخفي عن عمد عقودا طويلة.
ليس أغرب من انتصار الموتى في قبورهم على تدابير ومؤامرات حاكها أحياء، تولوا السلطة وأطفئوا الأنوار، وغمموا العيون ظانين أنهم يصنعون التاريخ ويمتلكون الحقيقة. تخيلوا معي حال مصطفى النحاس وهو في الأربعينيات من عمره، حيث سن التشكك، والريبة، والتوجس من الغد، يكتب بخط يده شهادته عن سعد زغلول، النفي، جزيرة سيشل، ومعركة الوطن ضد محتليه. يكتب هو بخط يده في كراسات لا يفكر بنشرها طوال عمره الباقي، لا في الوزارة ولا خارجها قبل يوليو 1952،ولا بعد تحديد إقامته حتى رحيله في أغسطس 1965.
ومن يد إلى أخرى تتنقل المذكرات لتصل إلى باعث الوفد الجديد فؤاد سراج الدين، فيحتفظ بها ضمن أوراقه ( دون نشر واستغرب عدم إقدامه على ذلك إلى أن يرحل) فيجدها فيما بعد فؤاد بدراوي، ويقدمها إلى باحث بارع مدقق هو عماد أبو غازي فينشرها بهوامش ومقدمة علمية كاشفة، لتمثل شهادة صادقة حية على منفى سعد وزملائه.
قبل سنوات ظهرت في المكتبات مذكرات أخرى للنحاس، حققها أحمد عز الدين، لكنها لم تكن بخط يده وإنما أملاها على سكرتيره محمد كامل البنا، ورأى البعض أنها رغم صدقيتها وقربها من السمات الشخصية للنحاس، لكن أجزاء منها كتبت بعد وفاة الرجل، وكأن سكرتيره قد عز عليه أن يرحل الزعيم الوطني العظيم دون أن يترك شهادته للأجيال القادمة.
غير أن مذكرات المنفى الصادرة مؤخرا هي بخط يد النحاس نفسه، وتتعرض بتفاصيل دقيقة للحالة المعنوية للزعماء المنفيين، وتصوراتهم بشأن مستقبل الثورة، والتعنت الإنكليزي في التعامل معهم، وقصة تدهور صحة سعد زغلول، الذي يسميه النحاس بالرئيس، والاضطرار إلى نقله بعيدا عن الزعماء في جبل طارق، وكيفية التواصل بينه وبين باقي الزعماء.
وتتعرض المذكرات للحياة اليومية للمنفيين، أحوالهم الصحية، تطلعهم على أخبار مصر، إطلاعهم على الصحف، وتلقيهم للبرقيات التلغرافية.
يبدو النحاس في شهادته رجل مواقف قويًا، وفيًا، صلبًا،ورغم ذلك فهو متسامح مع من حوله، بعيد النظر في رؤاه السياسية، مهموم دوما بالوطن وناسه، وتبدو عبارته مهذبة، رائقة، وملمة بخصائص الوصف الهادىء الرصين. يلجأ الشاهد أحيانا إلى الرموز، لكنه يعلم أن أحدا لو قرأ تلك الرموز بعد أكثر من قرن، فإنه سيفهم كل شىء.
إننا نجد خط النحاس في تلك المذكرات،صغيرًا، جميلًا، وواضحًا،ومكتوبًا دون توتر أو خوف، ما يعكس نفسًا جلدة قوية لا تهاب أحدًا.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض