هذه الدنيا
لم تكن هى المرة الأولى التى يشكو فيها الرئيس عبدالفتاح السيسى من إعلامه فى مؤتمر الشباب الثامن، فقد سبق أن أعرب الرئيس أكثر من مرة عن عدم رضائه عن أداء الإعلام.. والرئيس لديه حق.. فلم يتعرض نظام حكم فى تاريخ مصر لهذا الاستهداف الإعلامى الممنهج كما يتعرض النظام حاليًا.. ولكن هل تقتصر المشكلة على شكوى الرئيس فقط؟ الواقع يشير إلى أن المواطن أيضًا يشكو من هذا الإعلام وعزف عنه.
إذن نحن أمام معادلة صعبة فشل فيها الإعلام المصرى فى أن يرضى الحاكم والمحكوم على حد سواء.. الرئيس يرى أن الإعلام لم يقم بدوره المطلوب فى مساندة الدولة والرد على أعدائها.. والمواطن يرى أن هذا الإعلام «بكل أجنحته المقرؤة والمسموعة والمرئية» لا يعبر عنه ولم يعد يتحدث بلسان حاله.
إذن المنظومة الإعلامية فى مأزق شديد.. وفى دولة مثل مصر لا يمكن أن يقوم الإعلام بدوره دون روابط قوية مع الدولة.. ولكن رضاء الدولة وحده لا يكفى.. الجمهور طرف رئيسى فى المعادلة.. عزوف الناس عن إعلامهم بمثابة «شهادة وفاة» يكتبونها له.. هكذا تعلمنا.. الرسالة الاعلامية تبدأ من الجمهور وتعود إليه.. وهى رسالة تبادلية تفاعلية بين النظام والشعب.. فإذا تحولت إلى رسالة من طرف واحد وتسير فى اتجاه واحد فقدت معناها ودورها ومصداقيتها.. أصل المشكلة تكمن فى التأثير والجاذبية الذى فقده الإعلام، فاتجه قطاع من المشاهدين لإعلام آخر مغرض دعونا نعترف بأنه يحظى بمساحات بين الناس، ويستطيع أى متابع أن يتأكد من صحة هذه المعلومات بمتابعة لعينة مما يشاهده الناس فى المقاهى والمحلات.
الإعلام المصرى فقد بوصلته.. ويشهد حالة تطبيل بلا وعى.. أضرت بالدولة والقارئ معًا.. ويتصور القائمون عليه أنهم يحسنون صنعًا بما يفعلونه وأنهم يساندون الدولة فى معركتها المصيرية للبقاء والبناء..
والرئيس السيسى لا يريد التطبيل.. الرئيس يريد دعم الدولة المصرية ومساندتها.. يريد إعلامًا صادقًا مؤثرًا.. لا بأس من وجود مساحات للرأى الآخر الوطنى المحترم.. لابد أن تتحرك الرسالة الإعلامية فى إطار هامش من الحرية يمنحها درجة من المصداقية.. أما إعلام «الدبة» الموجود حاليًا فهو عبء حقيقى على الدولة: النظام والشعب معًا.
إذن ما هو الحل؟
قديمًا قالوا: «سيب العيش لخبازه».. والحل أن يُسند أمر الرسالة الإعلامية لخبازها الحقيقى..
وكيف نصل إلى هذا الخباز؟
الإجابة: إن يتم اختيار القيادات الصحفية وفق آلية تنافسية عادلة وشفافة.. آلية يحترمها الجميع، ولا تحرم المؤسسات من أفضل عناصرها.. وأيضًا لا تحرم الدولة من اختيار قيادات واعية وفاهمة لمعنى مساندة الدولة وقادرة على تقديم «توليفة إعلامية» تحظى بالرضا والقبول من الحاكم والمحكوم على حد سواء.. ونحن لن نخترع «العجلة» حين نقترح أن يتم فتح الباب أمام كل من يرى فى نفسه القدرة على إدارة الموقع المتقدم له فى ضوء ملف يتقدم به ويشمل: سيرته الذاتية، ثم نماذج لعمله فى المجال الصحفى أو الإدارى، بالإضافة إلى خطة مقترحة يرصد فيها مشاكل المكان، وكيف سيتعامل معها، ورؤيته للتطوير وكيفية تحقيق ذلك، والجدول الزمنى المقترح. وأن يتم دراسة تلك الملفات بمعرفة لجنة محايدة من أساتذة وشيوخ المهنة، ويعقبها إجراء مقابلات شخصية لمناقشة المتقدمين لشغل المواقع المختلفة.
هذا هو الحد الأدنى من الموضوعية فى التقييم.. فإذا كان رئيس الوزراء لا يختار وزيرًا لشغل حقيبة وزارية إلا بعد أن يلتقى بأكثر من مرشح ليضمن اختيار الأفضل، فلماذا لا نفعل ذلك فى شأن مؤسساتنا الِإعلامية.
يجب أن تنتهى «لعبة العلاقات العامة» فى الاختيارات، وأن ينتهى العصر الذى تهبط فيه القيادات الصحفية على مواقعها استنادًا لمعارف شخصية أو علاقات تربطها مع هذا أو ذاك.. السواد الأعظم من الصحفيين وطنيون ويحبون بلدهم.. الوطنية ليست حكرًا على أحد مهما كانت صلاته أو ارتباطاته بهذا الجهاز أو تلك المؤسسة.. اتركوا العيش لخبازه.. وجربوا ولو مرة واحدة.