كلمة عدل
مانع الصلاحية مشترك فى جميع النظم القانونية فى العالم بأسره، هو ذلك الذى يرتد إلى فكرة إبداء القاضى لرأى أو تكوينه لعقيدة مسبقة فى الدعوى التى سوف ينظرها.
ولا ريب أن أعلى صور إبداء الرأى هى الحكم الذى يصدره القاضى محمولًا على أسباب تكشف عن عقيدته التى كونها عن موضوع الدعوى.. ومن هذا المنطلق فإن الأحكام الغيابية فى مصر من بين أهم المشكلات التى تثيرها هى أن طرق مراجعتها والطعن عليها سواء فى الجنح أو الجنايات تشكل عدوانًا صارخًا وخرقًا واضحًا لمبدأ حياد القاضى.
وليس أدل على ذلك من أن نص المادة 401 من قانون الإجراءات المنظم للمعارضة كوسيلة للطعن على الحكم الغيابى الصادر فى مواد المخالفات والجنح، ينص صراحة على أن المعارضة يترتب عليها إعادة نظر الدعوى أمام ذات المحكمة التى أصدرت الحكم الغيابى.
كما أن المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية التى تنظم إعادة إجراءات المحاكمة فى شأن المتهم المحكوم عليه غيابيًا فى مواد الجنايات إذا سلم نفسه أو قبض عليه، فإن تلك المادة تجيز للمحكمة التى أصدرت هذا الحكم الغيابى أن تعيد نظر الدعوى فى هذه الحالة.
وجميع تلك العناصر تتعلق بضمير القاضى وبمبادئ العدالة ولا علاقة لها بحضور المتهم أو غيابه. لأن المفروض أن المحكمة سواء حضر المتهم أو غاب أنها قرأت القضية وكونت فيها عقيدة ثم أصدرت حكمها. أما القول بغير ذلك فهو يعنى أن ما يصدر فى غيبة المتهم من أحكام يتم دون قراءة القضية ودون مداولة ودون تكوين عقيدة فيها وكأن الحكم الغيابى يصدر على الغلاف الخارجى للقضية، وهو أمر يجافى الواقع وتلفظه الضوابط القضائية السديدة لتسبيب الأحكام.
وهو ما لا نقبله ولا يمكن تصوره لأن العدالة لا يحكمها حضور المتهم أو غيابه وإنما يحكمها ما رصد بالأوراق واطلع عليه القاضى وما تشكل لديه من عقيدة ثم بعد ذلك يصدر حكمه.. بأسباب تحمل هذا القضاء.. ولتقنع من يطالعها.. ومنها المحكوم عليه.
ولذلك فإنه وفى بعض الأحيان تصدر أحكام غيابيًا ببراءة المتهم بما يعنيه ذلك أن المحكمة وبعد أن محصت الأوراق، ورغم عدم وجود المتهم أو دفاعه، قضت ببراءته لأن أمانة القاضى فى أداء رسالته لا يمكن أن تكون رهنًا بحضور المتهم أو غيابه.
ورغم ذلك ومع أن الفقه الجنائى وذوى الخبرة العملية قد بحت أصواتهم بوجوب تعديل المادتين 395 و401 على نحو يحظر معه على المحكمة التى أصدرت الحكم الغيابى سواء فى مواد الجنح أو الجنايات أن تعيد نظر الدعوى مرة أخرى، فإن المشرع لم يحرك ساكنًا رغم تعديلاته المتكررة لقانون الإجراءات الجنائية وعلى الأخص المادة 395.
.. و«للحديث بقية»
سكرتير عام حزب الوفد