فوق كل شبر من أرضنا العربية نزل القرآن الكريم بلسان عربى مبين، وعن كل قطر من الأقطار العربية تحدث النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) مدحاً وحباً لأرض العروبة ووصفاً للكرم والمبادئ العربية ذات الأصالة والعراقة، ونزل القرآن مادحاً للعرب فى أكثر من موضع ومباركاً أرضهم الطيبة، تلك الأرض التى شهدت هداية البشرية، وفوقها عاش هداة البشرية من الأنبياء والمرسلين.
الباعث على هذه المقدمة عن أرض العروبة، برنامج تليفزيونى على إحدى الفضائيات تقوم فكرته على تقديم الموهوبين من أطفال العروبة فى الغناء، وكم تأتى الأصوات باعثة على الأمل فى غد مشرق لأمتنا العربية رغم انبعاثها من رحم الضعف والوهن والتشرذم العربى، ورغم إحساس الأطفال بواقع العروبة المؤلم والذى يتجلى بوضوح على أدائهم.
تسمع أصوات من كافة أرجاء وطننا العربى، من الخليج، ومن اليمن، ومن تونس الخضراء، ومن بلد المليون شهيد، ومن القاهرة، ومن سوريا...
تسمع الألم بكل معنى، وبمختلف النغمات، ألم يعتصر القلوب هماً وقهراً.. ألماً مزدوجاً، من ناحية... الألم المنبعث من حال أمتنا والذى يبدع أطفالنا فى إظهاره، وكأنهم يقولون لنا أنتم لم تحسنوا إلينا ولم ترحموا طفولتنا. ومن ناحية أخرى... ألم عدم استغلال مواهب بهذا الحجم وبتلك القدرات الإبداعية التى لا مثيل لها عالمياً، والتى تؤكد أن مقومات نهضتنا ذاتية محلية داخلية لا خارجية، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيت شجرة العروبة يضئ ولو لم تمسه نار.
تسمع لأطفال سوريا الأنين دون أن ينطقوا به، يبثوا شكواهم دون كلام، ويظهروا أحزانهم دون نطق، ملامح الوجوه ونبرات الصوت ورقة الإحساس وصدق المشاعر، كل ذلك يبعث إحساساً كئيباً باعثاً على الحزن والألم، ممزقاً للقلب مائة ألف مرة، معبرين عن الحزن فى واقع المأساة، والمأساة فى واقع الحزن، أطفال فى العمر، لكنهم رجال فى المشاعر والأحاسيس والنضج، تخرج نبرات أصواتهم مستنفرة، فرت من قسورة، تريد أن توقظ الضمير العربى، تريد أن تقفز فوق المستقبل وتصادر على الحاضر بكل مآسيه وأوجاعه.
هكذا خرجت الأصوات، وهكذا تكلم أبناء العروبة، وهكذا نطقت مشاعرهم وجاشت أحاسيسهم وقذفوا فى قلوب المخلصين الحسرة والألم.
لقد نجح هذا البرنامج نجاحاً منقطع النظير ثقافياً وعلمياً وفنياً، فنجح أولاً فى تسليط الضوء على المواهب العربية وأهمية استغلالها، ونجح ثانياً فى إثبات أن مقومات نهضتنا محلية الصنع وطبيعية الهبه من الله سبحانه لأرضنا الطيبة، ونجح ثالثاً فى تنمية المشاعر الوطنية ولفت أنظار المثقفين والجماهير العربية على حد سواء، ونجح أخيراً فى توصيل رسالة إلى كل مواطن عربى بأن الخير فى أرض العروبة إلى يوم القيامة.
والآن أتوجه بسؤال إلى كل من يهمه الأمر، ماذا لو عممنا فكرة البرنامج للبحث عن الموهوبين فى كافة المجالات، وماذا لو قدمنا لهم الرعاية الكاملة ليُصنعوا على عين الدول العربية التى ينتمون إليها وليأخذوا أماكنهم التى يستحقونها فى كافة الميادين وليس فى ميدان الغناء فقط.
لقد أثبت هذا البرنامج بحق مدى أصالة الأرض العربية، والتى فرضت أحداثها المؤلمة على مشاعر وأحاسيس أطفالها، أولئكم الأطفال الذين كبروا وهم صغار، شعروا بالألم قبل اكتمال نضج مشاعرهم، ونضجت أحاسيسهم قبل نضج بنيانهم، ونضجت عقولهم قبل أن تنضج أبدانهم.
إن هذه المواهب تُعد الباعث الأكبر لصناع القرار لتصحيح المسار، أما آن الأوان للاتحاد لاستغلال ما أفائه الله علينا من غير خيل منا ولا ركاب.
إننى أقف فى خندق المستقبل العربى ملتحماً مع أبناء العروبة، خلفى أطفالهم وشبابهم وخيراتهم، والنبى (ص) كان عربياً، والقرآن نزل عربياً، وكُتب لهذه الأمة الخلود، فهل نستعيد مجداً صنعه الله لنا ووهبه لأرضنا ووضعه فى وعى وأفئدة أبنائنا!
إننى أنادى بأعلى صوتى على قادة العرب كافة، أقف يا سادة وسط أطفال العروبة، الذين تحملوا المسئولية قبل أوانها، معى الحلم الجميل، وبين يدى المستقبل كله، ألوذ بكم، أفيقوا لما أفائه الله عليكم قبل ضياع كل شئ، فكلمات الأطفال معبرة وباعثة ومؤججة للمشاعر، تحيى أرض الضمائر الموات، وكفى بها نذيراً، وكان ربك قديراً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض