رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لعل المستقرئ لأحداث التاريخ وحوادثه العظام، متتبعاً بناء الحضارات وفناءها لا يجد سبباً للبناء أقوى من العمل، ولا سبباً للفناء غير كثرة الأقوال وندرة الأفعال، والخلود إلى الراحة والكسل وعدم تحمل المسئولية الفردية أو الجمعية أو القومية، فثقافة العمل وإتقانه، والأداء والحرص عليه، هى التى بنت الحضارات وشيدت المدنيات حديثاً وقديماً، ولعل المثل الحى القريب زمنياً تلك النهضة التى صنعتها النمور الأسيوية، حيث اتجهوا  إلى العمل بكل ما أوتوا من قوة، فهدموا كل عوائق النهضة وداسوا بأقدامهم كل عراقيل وقيود العمل والاستثمار، وأخذوا يضربون فى الأرض وينقبون عن خيراتها حتى صنعوا تلك الأمجاد التى باتت فخراً وعزاً لهم ولأبنائهم وحفظت لهم القيمة والكرامة فى ظل غابة كبرى اسمها الغابة الإنسانية، تلك التى تجردت عن المعنى والمضمون، ولم يمكث فيها سوى اسم الغابة، حيث لا قيمة إلا للأقوياء، أما الضعفاء فهم فى ذمة الله، وكم كان كاتبنا الكبير  محمد حسنين هيكل صادقاً فى وصف تلك القوة عندما وجه النقد إلى الأمم المتحدة بقوله «إذا كانت المشكلة بين دولة كبرى ودولة صغرى ضاعت الصغرى، وإذا كانت المشكلة بين دولتين صغيرتين ضاعت المشكلة، وإذا كانت المشكلة بين دولتين كبريين ضاعت الأمم المتحدة».

هذا أبلغ توصيف لعالم القوة، لا مجال للضعفاء يا سادة، لا مجال لغير القوة والأخذ بأسبابها، الله لا يحابى الجهلاء، ولا ينصر الكسالى والمعرضين عن الأخذ بالأسباب، بل خاطب نبيه يحيى بقوله (يا يحيى  خذ الكتاب بقوة) وتحدث عن القوة على لسان جند بلقيس بقوله ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين).

وتحدث عن جبريل بقوله ( علمه شديد القوى )، هكذا يسير القرآن تؤيده السنة باتجاه العمل والأخذ بأسباب القوة لبناء الحضارات وتشييد العز والفخار للأبناء والأحفاد، وتلك من أهم مقاصد الشريعة الغراء.

لقد كان العمل السر الأول فى صناعة اليابان، لا أقول نهضة اليابان، لأن النهضة وليدة العمل، ولولا العمل لما كانت اليابان ياباناً، بل كان مصيرها الخروج من التاريخ إثر الحرب العالمية الثانية، ولكنها أخذت بأسباب القوة فحفرت اسمها فى عمق التاريخ وحفظت وجودها، وهكذا صنعت الصين وماليزيا وغيرها، بل إن الجزر ضئيلة الحجم والسكان استطاعت أن تصنع لها أمجاداً بفضل العمل والأخذ بأسباب النهضة علماً وسعياً والتماساً لمصادر القوة، مثل جزيرة تايوان، وجزر القمر، لم يتعللا بالطبيعة أو بقلة المساحة أو ضآلة عدد السكان، بل سخرا العراقيل وحولاها إلى دوافع، وداسا الصخر بأقدامهما وواصلا الليل بالنهار لصناعة نهضة تضفى عليهم قوة تضعهم على الخريطة العالمية، وتحقق لشعوبهما الرفاهية.

لقد آن الأوان يا سادة، أوان النداء «حى على العمل»، «حى على القوة»، «حى على العلم»، «حى على التقدم»، فليس أمامنا من خيار، على الأقل لنحفظ قيمتنا وكرامتنا أمام أنفسنا، ثم أمام أبنائنا وأحفادنا، البداية من العمل الجاد والمخلص لنجنى الثمار عزاً وفخاراً.

وعلى الذين استمرؤوا الأقوال ولا أفعال، أرجوكم، الأمر لم يعد يحتمل، وليس فى القوس منزع للصبر، فالعالم كله يتقدم من حولنا، ونحن نتراجع خلفاً نحو الهاوية بخطى مسرعة، تحيط بنا المؤامرات من كل جانب، وتدفعنا أمواج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتحاصرنا المطالب المحلية والدولية، ونحن لا نحرك ساكناً، انتهى عصر الأقوال يا سادة، تلك الآفة التى دمرت أوطاننا العربية، لأننا بتعبير خالد العروبة نزار قبانى « إذا خسرنا الحرب.. لا غرابة، لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقى من مواهب الخطابة.. بالعنتريات التى ما قتلت ذبابة.. لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة».

الخطابة لن تبنى جيشاً، ولن تنبى وطناً، بل ولن تبنى عش عصفور، فالبناء من العمل والإرادة وإخلاص العزيمة وصدق التوجه.

وعلى الذين عاشوا فى كهف الماضى افتخاراً بالأجداد وبحضارة السبعة آلاف سنة، كفاكم خداعاً لأنفسكم، كفاكم خراباً لحاضركم، كفاكم تخاذلاً عن بناء مستقبلكم، فالأجداد أخذوا بأسباب القوة ولبوا نداء العمل فبنوا الحضارات العريقة، أما أنتم، فماذا فعلتم، حقاً ما أبلغ توصيف جمال الدين الأفغانى لتلك الآفة بقوله «إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عماهم فيه من الخمول الحاضر قالوا : أفلا ترون كيف كان آباؤنا ؟ نعم، قد كان أباؤكم رجالاً، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم، فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم».

أفيقوا يا سادة، ليس من سبيل أمامنا الآن، وفى هذا الظرف العصيب من تاريخ وطننا إلا العمل والتماس أبواب العلم والأخذ بأسباب القوة، استمرار التكاسل يعنى انتحار وطن، واستمرار الأقوال بلا أفعال يعنى الخروج من التاريخ، وما بين الاثنين إما أن نكون أو لا نكون، فهل ندرك حجم التحديات ونكون رجالاً على قدر المسئولية، ذاك عهدنا بأرضنا الطيبة، التى ما تخلت أبداً عن مبادئها وقيمها وقت المحن، فقط الانحدار الذى يعقبه الانتصار، الخمول الذى يتبعه العمل والبناء لأمة حفرت اسمها فى عمق التاريخ.