قمت بزيارة بضعة أيام إلي مدينة أسوان.. وهي لم تكن الزيارة الأولي لي.. لكنها كانت الزيارة التي تجولت فيها في كل أنحاء أسوان.. ورأيت ما لم أشاهده في المرات السابقة.
بالرغم من برودة الطقس في القاهرة.. فقد كانت أسوان دافئة.. ساطعة ترحب بزائريها وتمنحهم الدفء والمتعة.. وحتي أهالي أسوان الطيبون.. تشعر بأنك تعرفهم منذ زمن بترحيبهم ودفء مشاعرهم.
وأسوان مترامية الأطراف يشقها نهر النيل.. وينشر الخصب في بعض أرجائها.. أقول بعض وليس كل.. وذلك لأن أسوان بها مساحات شاسعة من العراء، خاصة في الطريق الصحراوي الغربي الذي يمتد لما يقرب من مائة كيلومتر ضمن حدود محافظة أسوان، وهي صحراء جرداء تذكرني بما كان عليه طريق مصر - إسكندرية الصحراوي قبل أن تمتد له يد التعمير، فيصل فيه فدان الأرض إلي مليون جنيه ويزيد.
وبالرغم من أن صحراء أسوان.. تمتلئ بالآبار الجوفية ومياهها صالحة للزراعة، فإن يد الاستصلاح لا تزال مقصورة عنها.. ولم أشهد سوي بضع مزارع قليلة، تم استصلاحها بطول الطريق.. وأشهرها وأكبرها مزرعة الرواد التي تعتبر بقعة خضراء يانعة وسط الرمال الصفراء من حولها.
ولا أحدثكم عن النيل برمته في أسوان، خاصة في اتجاه النيل جنوباً.. إنه نيل ساحر، بديع، لا مثيل له في أي محافظة أخري، فمجراه عريض، تنساب فيه مئات من السفن الشراعية البديعة في منظر ساحر.. في حين أن السفن السياحية، وهي سفن تقطع النيل ما بين الأقصر وأسوان، للأسف فإن غالبيتها تقبع في مراسيها بلا حراك.. بسبب قلة الحركة السياحية لأسوان، تلك المراكب التي كانت تضج بالسياح من كل دول العالم وتتحرك شمالاً وجنوباً حاملة الخير لمصر، والآن لا تزيد نسبة إشغالات تلك المراكب وحتي فنادق أسوان عن 15 أو 20٪ وبعضها مكبل بالديون والبعض الآخر أغلق أبوابه بسبب خسائره منذ قيام ثورة 25 يناير.
وأندهش لماذا لا تعوض السياحة الداخلية نقص السياحة الغربية.. ولماذا لا تنشط سياحة المدارس والجامعات والنقابات إلي أسوان الجميلة البديعة ليتمتعوا بسحر أسوان ونيلها البديع ومناظرها الخلابة؟
أما عن النيل جنوب أسوان.. فهو مثال لإبداع الخالق بحق.. فنري جزراً صخرية وسط النيل، قد تكونت تلك الصخور قبل ملايين السنين في مشهد بديع.. خاصة أمام فندق كتاراكت الساحر الذي يحمل جزءاً من تاريخ مصر.. فعمر كتاراكت يقارب المائة والخمسين عاماً.. وقد شهد زيارات من رؤساء وملوك ومشاهير.. وقد اصطحبني أحمد هشام، مدير الأمن بالفندق في جولة بداخله.. فلا أجمل ولا أروع.. وحتي كتاراكت الجديد يطل إطلالة ساحرة بديعة علي النيل.
وفي قلب النيل تقع جزيرة فرعون.. التي أقام فيها أحد أبناء أسوان مشتي رائعاً وبني بيوتاً علي الطراز الفرعوني وأثاثها كله بنفس الطراز.. وتحيط بها أشجار المانجو ومراعي الجمال والغنم.. وكل ذلك كان بجهد شخصي من أحد التجار الذي جعل من المكان آية في الروعة والجمال.
إن أسوان بتعدد مصادر الثروة فيها.. من جبال جرانيت وأرض خصبة ومشاهد طبيعية خلابة ومساحتها الكبيرة تمثل كنزاً اقتصادياً لو تم استثماره.. لصارت أسوان مدينة صناعية أيضاً.. تضاهي كبري المدن الصناعية بجانب روعة الطبيعة الخلابة بها.
وقد جمعني أكثر من لقاء مع محافظ أسوان، السيد اللواء مصطفي يسري، وهو رجل مهذب واع.. يعمل بقدر استطاعته وموارده المحدودة لتنمية أسوان.. واطلعت علي جهد كبير للرجل ومحاولاته لجذب الاستثمار العالمي للمدينة.. ووجدت أنه يوشك علي إتمام مشاريع عديدة مع شركات استثمارية عالمية من أجل تصنيع الجرانيت في أسوان بدلاً من تصديره كمواد خام.. فأسوان تقوم علي كتلة جرانيتية ضخمة لا مثيل لها في العالم.. كما أخبرني عن مشاريع أخري ضخمة ومشاريع إسكانية بدأت بالفعل.
ولكن في ظني أن المشكلة الكبيرة هي غياب استثمارات الدولة عن أسوان.. وحتي استثمارات أبناء أسوان لمحافظتهم.. فهي قليلة ربما لقلة رؤوس الأموال لدي أهالي أسوان.. بالرغم من وجود بحيرة أسوان علي مقربة، وما فيها من ثروة سمكية لا مثيل لها.. يمكن تصنيع هذه الأسماك وتعليبها وتصديرها.. أو تجميدها أيضاً.. وكذلك الاستفادة من شمس أسوان الساطعة في إقامة محطات شمسية لتوليد الكهرباء بتكلفة قليلة.
إن أسوان.. محافظة بديعة.. واعدة.. وهي تنتظر من حكومتنا القادمة الالتفات إليها.. للتعمير والصناعة والسياحة لخير هذا الوطن!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض