رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فرق كبير بين أصحاب العقول الذين يتبعون صوت العقل ويوجهونه فى مضامينه الصحيحة وأطره السليمة ومحاوره الثابتة، وبين أولئك الذين لا يجيدون سوى لغة التكفير والتفسيق والزندقة، فيلقون بهذه التهم جزافا على خلق الله، ليقوضوا كل لغة ممكنة للحوار، وليقضوا على قيم الدين الحنيف التى تلخصت فى خطاب التكليف للنبى الكريم (ص) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ليحاولوا بعث دين جديد، دين لا نعرفه نحن، فقط امتلأت به أخيلتهم المريضة وقلوبهم الواهية، ونفوسهم التى عشش فيها الخراب والفساد.

 هذه القضية العظمى، الفارق بين لغة العقل ومنطق التفكير، أو بين صوت العقل وسوط التكفير يحاول الدكتور عصمت نصار عميد كلية الآداب بجامعة بنى سويف تقديم حلول تبدو واقعية لها فى كتابه «الخطاب الدينى والمشروع العلمانى وجهان لعملة زائفة»، فيطرح فيه تلك القضية ومشتملاتها وما يتبعها من قضايا مثل خطاب النخبة وصفقات المتأسلمين والحلم الثورى الكبير وكيف نحافظ على مكتسبات هذه الثورة، وغيرها من القضايا التى شملتها الفكرة الرئيسية التى وضعتها عنوانا للمقال.

ويؤكد الرجل بكل آسى أن سوط التكفير لا يتبع العقل ولا ينبع منه، فلا يمكننا أن نطلق عليه لغة التكفير ولا صوت التكفير لأن كلاهما يفضيان إلى معنى مغاير تماماً على غير حقيقة ما يعتقده التكفيريون، خاصة أن فلسفتهم التكفيرية بغض النظر عن كونها خرجت من بؤرة إجرامية فى الأساس، إلا أنها توحشت وازدادت توحشاً بحكم غذائها العقائدى الذى انحرف بالعقيدة عن غاياتها ومقاصدها إلى غايات ومقاصد لم يشرعها الإسلام، ولم نعلم عنها شيئا، يقول الدكتور نصار «التفكير الاعتقادى هو الذى يتخذ من قناعاته الشخصية فى صدق المعارف الموروثة أو العقيدية بداية من الخرافة ونهاية بالدين المتصالح مع العقل والعلم معياراً للحكم على الحق والباطل والخير والشر والصواب والخطأ».

معنى ذلك أن هذا المنهج التكفيرى هو الذى يحدد مصطلحات الحياة ويميز الخبيث من الطيب مع الأخذ فى الاعتبار خبث مقاصده وفساد منبته، وظلم مصبه، وبما يعنى أن أى معالجات فكرية حاضراً أو مستقبلاً ستبوء بالفشل مع أولئك التكفيريين.

ولعل المثال الأوضح تلك الجرائم الداعشية التى لفظها الجميع، باختلاف توجهاتهم، واختلاف عقائدهم، واختلاف خلفياتهم الثقافية والأيديولوجية، فأفعالهم لا تستقيم مع العقل، ولا تقبلها الفطرة التى فطرت أساساً على حب السلم والسلام، وعلى الرغبة فى الأمن والأمان باعتبارهم من أولى مسلمات الوجود الإنسانى على الأرض.

ثمة مشكلات عديدة تواجه إذن هذه القضية، فالمراجعات التكفيرية لن تجدى بحال لأن هؤلاء ليسوا ضحايا مجتمع ضن عليهم بلقمة العيش فانحرفوا. الموضوع أكبر من ذلك بكثير، لكن تبقى الأسئلة حائرة، ما المخرج؟؟ ما هى آلياته؟ وهل تستطيع النخبة قراءة الموروث الثقافى الذى أثمر هذه الثقافة التكفيرية؟

نعم، للنخبة دور كبير لكن فى حماية النشء من هذا الفكر الهدام وهذه الفلسفة البغيضة التى نبتت على الدماء لا الماء، وتغذت على أرواح الناس وأعمارهم، أما أولئك الذين ألفوا الذبح والقتل فقد انتهت معهم لغة الحوار وأصبح لا مجال للكلام أبداً غير المواجهة المحتومة، فهى قدرنا وهى قدر المخلصين من أبناء الإنسانية جميعاً إذا أرادوا انتشال بقاياها من هذا الوحل الفكرى.

لقد أفرزت فلسفة التكفير سياسة إقصاء الآخر ووأدت لغة الحوار وقضت على كل مكتسبات العقل وجعل الصوت عالياً للسوط لا للفكر، وكلها فلسفات نازية تعيد إلى الأذهان تلك العصور البربرية التى غزتها الفوضى وسيطرت عليها الأنانية وبات من المستحيل حدوث أى حوار معها.

يبقى السؤال إذاً، هل يستطيع دعاة الوسطية المشاركة فى وأد تلك الكوارث الناتجة عن الفكر التكفيرى، الأزهر برجاله، والأوقاف بمفكريها، وأهل الدعوة إلى الله الذين يفهمون جيدا غايات هذا الدين، هل بإمكانهم المشاركة فى هذا الركب الوسطى الذى يباركه الله والملائكة والناس أجمعون، أم يظل البعض مشغولاً بالتكفير والتضليل؟

إن كتاب «وجهان لعملة زائفة» يطرح هذه الإشكالات كلها، ويقف عند أطرها ويبحث فى مضامينها، ويطرح المشكلات ويعرض الحلول، ويناقش كافة الآراء، فقط يحتاج إلى قراءة واعية تستنبط عبق التاريخ، وتبعث مجداً فكرياً من جديد وما هو من المثقفين ببعيد.

فهل نعى هذا الفكر وننهل من معينه؟