معهد ناصر.. «كان صرحًا علاجيًا.. فهوى» الإهمال وعدم صيانة الأجهزة أزمة تهدد حياة المرضى
يعد معهد ناصر إحدى ركائز المنظومة الصحية فى مصر، حيث يستقبل أكثر من مليون وستمائة ألف مريض سنويًا، خصوصًا أنه متخصص فى الجراحات المتقدمة وعلاجات الأورام وزرع النخاع والأعضاء.
ورغم الاهتمام الكبير الذى يوليه الرئيس عبدالفتاح السيسى للمنظومة الصحية فى مصر، وعلى رأسها معهد ناصر، حيث وجه منذ أيام بتحويل معهد ناصر إلى مركز بحثى ومدينة طبية متكاملة ولكن فارق السرعات بين الرئيس والمسئولين فى وزارة الصحة جعلهم يتباطأون ويتخاذلون حتى ضرب الإهمال جنبات الصرح الطبى وجعله أشبه بمستشفى حكومى فى الأرياف.
«الوفد» فى إطار متابعتها للملف الطبى فى مصر، قامت بجولة داخل معهد ناصر لكشف الإهمال والمخالفات الجسيمة فى حق المرضى، رغم توفير ميزانية ضخمة للتطوير وتقديم خدمة علاجية متميزة تليق بالمواطن المصرى.
على كورنيش النيل بالقاهرة، يقع أحد أهم الصروح الطبية فى مصر، وهو معهد ناصر الذى أُنشئ فى نهاية ثمانينات القرن الماضى لتوفير الرعاية الصحية المميزة للمواطنين بأسعار مقبولة مقارنة بأسعار المستشفيات الخاصة، وكان المعهد إحدى العلامات المتميزة فى الرعاية الصحية بمصر، ولكن مع مرور الزمن سيطر عليه الفساد، فى غياب رقابة وزارة الصحة والسكان المسئولة عنه.
وكانت الكارثة التى شهدتها أروقة المعهد فى بداية شهر مايو الجارى التى راح ضحيتها المواطن «خير الله» واحدة من أهم الدلائل على ما وصل إليه حال الصرح الطبى الذى هوى، بينما وقف الدكتور محمود سعيد، مدير عام المعهد، مكتوف الأيدى أمام هذه الجريمة التى تناقض كل المعانى الإنسانية والقانونية.
وكان المواطن خير الله يتلقى العلاج فى غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى وبسبب الإهمال الشديد اندلع حريق نتيجة حدوث ماس كهربائى بكابل الباور الخاص بجهاز السرنجة الكهربائية الموجود بجوار المريض، الذى دخل المستشفى قبل الحادث بيوم واحد، وحاول مسئولو النوباتجية من هيئة التمريض والأمن الصناعى وقسم الكهرباء الطبية السيطرة على الموقف بفصل الكابل من قسم الكهرباء إلا أن جهودهم لم تفلح فى إنقاذ المواطن الذى تعرض لحروق شديدة، فما كان من مسئولى المعهد إلا أن قاموا بنقله إلى مستشفى آخر لإخلاء مسئوليتهم، ليدفع المواطن حياته ثمناً للإهمال.
ولذلك قامت «الوفد» بجولة ميدانية داخل المعهد لرصد أوجه الإهمال الأخرى داخل هذا الصرح العظيم الذى كان أملاً للمصريين ولكنه راح أدراج الرياح، ولخصنا معاناة المرضى من خلال هذه المشاهد.
المشهد الأول: العيادات الخارجية «الأطباء فى أجازة»
على أبواب العيادات الخارجية بالمعهد كان يجلس عامل النظافة بمفرده وبسؤاله عن الأطباء المتخصصين، رد ساخراً: الأطباء فى أجازة، وكان ذلك فى الساعة الواحدة ظهراً، حيث رصدنا غياب تام للأطباء، فتطوع عامل النظافة قائلاً: لو الحالة لا تسمح للانتظار للغد توجه إلى الطوارئ.
وفى أنين صامت بكت سيدة إبراهيم، 54 عاماً، من منطقة بهتيم بشبرا الخيمة، بسبب مرض والدها الذى يعانى من شلل نصفى حيث جاءت إلى المعهد بحثًا عن طبيب لعرض حالة والدها عليه الذى يعانى من صداع شديد أثر على قدرته على الرؤية وضيق فى التنفس بالإضافة إلى أنه مريض بالسكر.
وأضافت سيدة قائلة: لم أجد أى طبيب بالعيادات الخارجية فبحثت عن الدكتور «محمود سعيد» مدير عام معهد ناصر لأعرض مشكلة غياب الأطباء عليه، إلا أن أفراد الأمن بالمستشفى رفضوا دخولى إليه، مبررين ذلك بأنه لا يقابل المرضى أو المواطنين قائلين: «مدير المعهد مش فاضى يقابل حد وممنوع الوقوف فى الممرات».
ووسط دموعها قالت سيدة: توسلت إلى أفراد الأمن لمساعدتى وتوفير طبيب لتشخيص حالة والدى وكان الرد: «الأطباء فى أجازة، روحيلهم عيادتهم الخاصة» وتطالب سيدة الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى والقائم بأعمال وزير الصحة والسكان التدخل السريع لإنقاذ كبار السن الذين يفقدون حياتهم كل يوم فى معهد ناصر، بسبب الإهمال وعدم الاهتمام بتوفير الأطباء فى العيادات الخارجية.
المشهد الثانى: الطوارئ «المرضى على الرصيف والفساد سيد الموقف»
وفى مدخل الطوارئ المخصص لاستقبال المرضى والحالات الخطرة التى تحتاج إلى الاسعافات الأولية لإنقاذ حياتهم على يد ملائكة الرحمة، شاهدنا أمن معهد ناصر المتواجدين بقسم الطوارئ يساعدون سيدة مسنة ممددة على أحد أسرة المستشفى المتهالكة وسط المواطنين الذين يقوم بعضهم بالتدخين داخل أروقة المستشفى رغم وجود لافتات معلقة على الجدران «ممنوع التدخين»، حيث طلبت السيدة التى تعانى من ضيق التنفس من الأمن إبعادها عن رائحة الدخان التى ملأت المكان حتى يقوم أحد الأطباء بمناظرتها.
وبالقرب من السيدة المسنة وقف ثلاثة شباب مصابين فى حادث دراجة نارية، إلا أن أفراد الأمن رفضوا دخول الثلاثة فى وقت واحد قائلين: «الحالات تدخل حسب نسبة خطورتها، وبندخل واحد واحد لتخفيف الزحام» وقال الشباب إنهم فى المستشفى منذ ساعات فى انتظار أحد الأطباء للاطمئنان على صحتهم، بينما يعانى أحدهم من ألم شديد فى ذراعه، وبعد طول انتظار وقع الطبيب الكشف عليهم وكتب لهم مسكنات قاموا بشرائها من الصيدلية.
وقال إبراهيم سيد، 35 عاماً من سكان الشرابية، إنه توجه إلى مستشفى معهد ناصر الساعة الخامسة مساء لعلاج ابنه الذى يبلغ من العمر 11 عاماً والذى أصيب بكسور قوية بسبب اصطدام توك توك به أثناء لعبه فى الشارع، ما سبب له ألماً شديداً، وقال إبراهيم إنه وجد زحاماً شديداً أمام قسم الطوارئ بالمعهد، وطلب أفراد الأمن دخول مرافق واحد فقط مع الحالة، ونظراً لوجود والدة الطفل وشقيقه البالغ من العمر 6 سنوات معهم طلب منهم الأمن «دفع مبلغ» للسماح لهما بالدخول، وقال أحد الموجودين «راضيه يدخلك بأى حاجة».
وطالب إبراهيم الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى والقائم بأعمال وزير الصحة والسكان، التدخل السريع لمواجهة الفساد ومعاقبة المقصرين ومحاسبتهم، والوقوف بجانب المواطنين.
وفى السياق ذاته شكا أحمد ابراهيم 35 عاماً من عدم توفير الإسعافات الأولية لشقيقه الذى أصيب أثر حادث سير وكان فى استقباله أفراد أمن المستشفى وعمال النظافة الذين طلبوا منهم الانتظار فى الساحة وعدم التواجد داخل قسم الطوارئ بجوار المصاب، على أن يقوموا هم بتوفير كل ما يحتاجه المصاب وأضاف: «قبل عرض شقيقى على الطبيب طلب عمال النظافة وأفراد الأمن من الأسرة «إكرامية» مقابل الاهتمام به ومساعدته».
المشهد الثالث: بنك الدم.. عفواً طلبكم غير موجود
ومن داخل بنك الدم بمعهد ناصر نرصد لكم عذاب المواطنين للحصول على كيس دم، حيث تشهد أبواب البنك زحاماً دائماً للاستفسار أو شراء أكياس الدم لحالاتهم المرضية التى تحتاج إلى نقل دم، وقفنا وسط هذا الزحام لمدة نصف ساعة وأكثر بعدها خرج علينا فرد أمن وطلب البطاقات الشخصية وملء استمارة لطلب التبرع للبنك أولا حتى يمكن للراغبين فى شراء أكياس الدم الحصول على الدم الذى يريدونه وبالفصيلة التى يحتاجون إليها، وهناك التقينا بمحمد على الذى توجه للبنك للحصول على دم لوالدته المريضة بإحدى المستشفيات الحكومية وتحتاج إلى 3 أكياس دم فوراً لإجراء عملية جراحية عاجلة، ويقول محمد: حينما جئت إلى بنك الدم بمعهد ناصر بخطاب من مستشفى حكومى آخر اعتقدت أننى سأحصل على الدم بسهولة، ولكننى فوجئت بإجراءات غريبة حيث طلبوا منى ثلاث حالات للتبرع من أية فصيلة مقابل الحصول على كيس دم من فصيلة والدتى، ولم يستطع محمد أن يجد أحداً من أقاربه للتبرع ومعظمهم فى عمله بينما تحتاج والدته إلى الدم فوراً.
وجاءت منى عبدالحميد ومعها والدها للتبرع بالدم لوالدتها التى تتمتع بنفس فصيلة الدم، وقالت: «الإجراءات بطيئة جداً وفرد الأمن يتعامل معنا بشكل غير لائق، وهناك انتظار طويل داخل مقر بنك الدم، يصل إلى أكثر من ساعة لإتمام عملية التبرع فى وسط غياب ملحوظ من الأطباء وأطقم التمريض».
مافيا سائقى التكاتك وبائعى الشاى
ومن ناحية أخرى، اجتهد سائقو التوك توك وبحثوا عن سبوبة لبيع الدم للمرضى والمصابين حيث ينتظر عدد منهم بجوار سور المعهد لاستقبال الحالات الخطرة لنقلهم بالتوك توك إلى قسم الاستقبال، وإعطاء رقم تليفون خاص لأهل المريض لتسهيل كل الامكانيات المطلوبة والمتوافرة داخل المعهد اذا تعثر الأمر لاسعاف المصاب، وتوفير أكياس الدم بالاتفاق مع بائع الشاى بمقابل نصف ثمن كيس الدم إذا لم يوفره البنك للمرضى بشكل طبيعى، مع عرض توفير شباب للتبرع فى أى وقت، وتوفير الكميات المطلوبة فى ظرف ساعة من الاتفاق مقابل 500 جنيه للكيس الواحد.
وفى صرخة ألم تقول ن.ى 42 عاماً من سكان منطقة الخلفاوى، من حق أى مواطن مصرى مصاب ويحتاج إلى نقل دم الحصول على الدم فى أى وقت ومن أى مكان، ولا يمكن أن يباع أو يستبدل أو يطلب من أهل المريض شراء محاليل وأدوية طبية مقابل تصريح خروج فصيلة دم نادرة من البنك، لافتة إلى أن سماسرة بيع وشراء الدم خاصة الفصائل النادرة، يجلسون أمام أقسام الطوارئ وبنك الدم والباب الرئيسى للمعهد لاصطياد الحالات الخطرة وتسريح معاونيهم للتحقق من احتياج المصاب لنقل دم حتى يتم التفاوض مع أهالى المصاب أو المريض.
وأضاف م.س أن بائع الشاى أمام معهد ناصر يستغل المتسولين للتبرع بالدم مقابل 150 جنيهاً للكيس الواحد، وعندما علم بحالة والدتى قال: «احضر والدتك للمعهد واحنا هنصرفلك أكياس الدم اللى هتحتاجها وبأقل من تمنها الحقيقى ب120 جنيه للكيس»، وعندما سألته عن كيفية الحصول عليها، قال: «أهو بنظبط أمورنا عشان الكل يتراضى وكمان التبرع له فوايد كتير للمتبرعين وفى ناس كتير بتبقى محتاجة بس مبتلاقيش أكياس تكفى بنحاول نساعدهم».
وهناك مظهر آخر من مظاهر الإهمال فى معهد ناصر رصدته «الوفد» فى بنك الدم، حيث حضر مصطفى عبدالله من سكان بولاق الدكرور، لمسئولة استقبال المتبرعين للاستفسار عن توفير 4 أكياس دم من فصيلة «O» لوالدته التى تجرى عملية جراحية بالقلب، وأكد أطباء مستشفى معهد القلب القومى أن المريضة تحتاج لنقل دم على الفور حتى لا تحدث مضاعفات، وأخبرته مسئولة استقبال المتبرعين بأن سعر الكيس الواحد يبلغ 350 جنيهاً، ولا أستطيع توفير أكثر من 3 أكياس لمريض خارج المعهد، مع ضرورة وجود متبرع مع الحالة أو أكثر، لزيادة حصيلة الدم داخل البنك، ويقول مصطفى: فوجئت برد المسئولة عن بنك الدم خاصة أننى لم أكن أملك هذا المبلغ الذى يصل إلى 1500 جنيه للأربعة أكياس، وعندما شرحت للمسئولين ببنك الدم حالتى المادية، قالوا لى: «إن كيس الدم فى أحد المراكز بـ120 جنيه ممكن تشترى من هناك أوفرلك».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض