سيرة المكان وصراع التحولات في "جامع الشهوات"
تحاول هذه الرواية رسم ملامح شخصية نشأت بين حي الدقي وحي العجوزة في مطلع خمسينيات القرن العشرين، وكيف تفتح وعيها بالمكان من شوارع ومحال تجارية ودور للعرض السينمائي.
اقرأ أيضاً..
فعاليات ثقافية وفنية.. مسرح الجنوب يجوب قرى حياة كريمة في الأقصر
وهي تنتمي إلى رواية المكان، التي لم تُغفل التحولات الاجتماعية التى شهدتها مصر منذ ستينيات القرن العشرين. إنها رواية التّحوّلات التي تحتفي بالمكان وارتباط الإنسان به، انطلاقًا من أن المكان يمثل الحاضنة الاستيعابية داخل العملية الإبداعية، هو الإطار العام الذي تتحرك فيه الشخصيات وتتفاعل معه.
نطالع في صفحات الرواية: "أحفظ العجوزة والدقي شارعـًا شارعـًا وشبرًا شبرًا؛ المدارس والمحال والمقاهي والمستشفيات والمطاعم.
"العجوزة عندي هي أشجار الجازورينا المعمرة وهسهسة الأوراق الطرية في الهواء الساكن، وبذخ عطر أشجار الليمون، والظلال الكتيمة التي تتقاطعُ ثم تعودُ فتتقاطعُ.
هي نسمة الهواء الناعمة برغم تويجات الشمس البارزة في شوارع النيل، وعبدالمنعم رياض، والفالوجا «محمود خليل الحصري»، وشاهين، وأبو المحاسن الشاذلي.
هي ميادين سفنكس وشاهين وأسوان. هي عمارة الجوهرة في شارع سليمان جوهر، الذي عاش فيه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عندما كان لاجئـًا في مصر، كما سكن في آخره يومـًا ما الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. بعض مقاطع عمري مودعة في هذه التفاصيل".
الخط العام للرواية يتطور زمنيًا مع الصبي الصغير، الذي يكبر ويتخرج في كلية التجارة، ثم يحلم بالسفر، وبعد تجربة زواج فاشلة يجد نفسه باحثًا عن مشاعره ورغباته عبر علاقات عابرة تزيد من أحزانه وآلامه. إنه فقط يجمع الشهوات، لكنه لا يصل إلى شيء يُذكر.
تقع الرواية في 288 صفحة من القطع المتوسط، ويحكي السارد العليم في الرواية حكايات كثيرة، في لقطات سينمائية ممزوجة بالوعي المجروح بالواقع. تتسم الرواية أيضـًا بسرديات وصفية ترسم صورًا دقيقة ومعبرة للغاية تساعد في جذب القارىء وتشويقه أكثر لقراءة الرواية.
ويتنوع السرد في الرواية بين الوصف والحكي والحوارات، وتشتمل اللغة على الموروث من الحكم والأمثال والأشعار والكلام المأثور، وقد تم توظيفها بعناية ودقة لإقناع القارئ بمضمون الأحداث ومساراتها.
لا تخلو الرواية من الرمزية ومن تحولات تزيد أحداثها تشويقًا وشجنـًا في قلب وذهن القارئ.
وهي تُبيّن للقارئ أن الرواية هي أصدق وسيلة نحكي بها حكايتنا، وإن غاب صوت الرواية، فسنترك لأصوات كثيرة ومنفرة أن تحكي حكايتنا وتزيف الحقائق وتتلاعب بها.
إن المقاربة الأساسية في هذه الرواية هي من جانب إنساني بالدرجة الأولى، فاشتباك الاحداث وتقاطعها مع تفاصيل تاريخية وسياسية وأثر تلك الأحداث على مصائر الشخصيات، وتحليل انعكاساتها على مسارات حياتهم، يبدو الهاجس الأول لدى الروائي.
ولعل ما يميز هذا العمل أن أحداثه وحكاياته الصغيرة، تستمد روحها من تفاصيل حقيقية؛ لذا جاء هذا المزج بين ما هو واقعي ومتخيل، ليأخذ السرد إلى عالمٍ روائي جديد.
عمل المؤلف على عجن الأحداث والقصص والمشاهد والمخاوف الفردية والاجتماعية والسياسية في قالب إنساني بحت. ولم يغفل تلك اللحظات الصادمة للفراق والغياب، التي توضح أن الموت كاشفٌ للحقيقة التي يفر منها الإنسان دائمـًا.
في "جامع الشهوات"، يأبى الروائي ياسر ثابت إلّا أن يظلّ، في نصوصه الإبداعية، وفيًّا لرؤيته الأدبية، والجمالية، وهي أن ينذر نفسه، بتفانٍ وإخلاص، لتصوير المجتمع من جهة تشبُّثه، خاصّة، بالتقاليد المحلِّيّة، والطقوس الاحتفالية العريقة، مع وصفٍ دقيق للحياة اليومية بلا رتوش.
من صفحات الرواية: "تهزمنا السرادقاتُ، والنعوش، وفناجين القهوة المُرة، ونوبات التشنج ولحظات الوداع. يصفعنا البكاء المرير الدامع، والزهدُ الذي تصنعه الفاقة، والتعثر في صحراء العطش. عادتْ الأشباح إلى طوافها.
الوحشة المعلّقة تطاردني في يقظتي ومنامي، وترميني نردًا في الهواء. أغرقُ في بحيرةٍ خضراء راكدة، حيث ينتظرني صيّادٌ مفترس. ما أصعب هذا الجحيم الافتراضي"!
يُذكر أن ياسر ثابت له مؤلفاتٌ عدة، بينها «يوميات ساحر متقاعد» (دار العين، القاهرة 2009)، «تحت معطف الغرام» (دار الكتب، القاهرة 2014)، «يطل الخجل من حقيبتها» (دار زين، القاهرة 2018).
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض