رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ثمن الحرية الحقيقى فى مصر

بوابة الوفد الإلكترونية

نشرت صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية صباح اليوم مقالا مطولا للكاتب الصحفي باتريك كوكبيرن تحدث فيه عن الأوضاع القائمة حاليا في مصر، وقال إن مبارك قد انتهى منذ زمن طويل، إلا أن الخشية من الجريمة والفقر تفاقمت لتحل محل الوحشية والحاجة.

وفي القاهرة اعتبر المعلق البريطاني أن البلاد تقف على حافة الهاوية، وفيما يلي ترجمة لما جاء في هذا المقال:
كانت معركة بالبنادق في حي شبرا وسط القاهرة، لا يزال الناس يتحدثون عنها بعد ستة شهور من وقوعها، ففي خلاف حول قطعة من الارض استولى عليها محمد شعبان- الذي هرب من السجن خلال الثورة وسط الحوانيت الصغيرة والشوارع المكتظة ـ تحدى شعبان الشرطة لمقاتلته. وقال لأحدهم بعد أن حاولوا إخلاءه :"اخرج وإلا قتلناك". وعندما وصل رجال شرطة آخرون أصيب اثنان منهم بجراح من طلقات رصاص، وقتل شعبان مع سباك محلي ظنت الشرطة أنه مسلح.
وقال أبو حاتم، وهو سائق سيارة أجرة من شبرا :"عائلة شعبان تعتبره شهيدا، ولكن لا أحد يعتبره هنا كذلك". وليس بعيدا عن المكان هناك سجن ومركز شرطة، ومبنى متداع ذو لون أبيض مائل للصفرة ونوافذه محمية بقضبان حديدية وصفائح معدنية من الداخل، وفيه ثقب واحد يمكن إطلاق النار من خلاله. تعرض السجن يوم 28 يناير العام الماضي لحريق أشعله سجناء أمثال شعبان وأقاربهم، في ذروة الانتفاضة المصرية ضد حسني مبارك. واستولى السجناء على الأسلحة وهربت الشرطة من شبرا، لكنهم عادوا فيما ذلك.
قصة موت شعبان ليست إلا إحدى القصص التي يرويها سكان حي شبرا كمثال على العنف المتصاعد في مصر بعد الثورة. وقال أحد افراد الشرطة لرجل جاء ليبلغ عن اختطاف ابنه :"تم خطف 10 أطفال آخرين وهم محتجزون للحصول على فديات". وأصبحت سرقة السيارات منتشرة. ولم يعد سائقو سيارات الأجرة يجرؤون على العمل ليلا.
مع ذلك فالحكايات عن غرق مصر في الفوضى مخادعة. وليست هناك جرائم في القاهرة أكثر مما كان يحدث قبل الثورة لأن الشرطة التي فقدت مصداقيتها بسبب الفساد والوحشية لم تعد تتصرف بالحماية السابقة، وكثيرا ما ترفض التصرف على الإطلاق. الفقر زاد في المدينة التي يعيش فيها 20 مليونا، ثلثهم يعيش في عشوائيات، ولذلك يلجأ الكثيرون منهم للسرقة كي يبقوا على قيد الحياة.
على مستوى الشارع وقياسا على ما حدث في شبرا فهذه التكتيكات لها تأثير ناجح إلى حد ما، وبالتالي فعودة الشرطة مرحب بها على وجه العموم. ويقول أبو حاتم إن الشرطة طُهرت ولم تعد تزرع المخدرات في ملابس المشبوهين كما كانت تفعل.
ويضيف أن أحد الأسباب التي جعلت الشرطة تهرب بتلك السرعة خلال الثورة هو أن "ضباط الشرطة ذوي الرتب المنخفضة كانوا يخشون من الظهور في الشوارع، لاعتقادهم أن الناس الذين اتهموهم بالباطل قد يقتلونهم".
وعلى المدى البعيد، فقد يثبت أن من المستحيل بالنسبة للجيش والشرطة ان يعيدوا احتكارهم للسلطة التي كانوا يتمتعون بها في ظل النظام القديم. وما يزال المصريون يحتفظون بإحساس قوي بهيكلية المؤسسات لكن الدولة لم تعد ذات صلاحيات مطلقة.
وكانت وزارة الداخلية في القاهرة هي التي تعطي الضوء الأخضر لترقية الجميع من القضاة وحتى الصحفيين. وحتى الكادر المفضل من جانب الجيش في الصحافة كان عليه أن يحصل على إذن رسمي.
لكن القاهرة اليوم مليئة بالمؤشرات على أن ثقافة الخضوع هذه تتآكل. والشارع الذي توجد فيه بناية وزارة الداخلية الكبيرة مغلق بالأسلاك الشائكة والشرطة العسكرية المدعومة بالسيارات المصفحة. ولكن في أحد طرفي الشارع كان رجال الشرطة الذين طردوا العام الماضي يتظاهرون لاستعادة وظائفهم، وهم يهتفون :"يا وزارة الداخلية نحن أبناؤك ونحن لسنا لصوصا". ومبنى الماسبيرو الذي يتركز داخله الكثير من الإعلام الرسمي محاط بالأسلاك الشائكة، ويدافع عنه جنود معهم أسلحة آلية. لكن الطابق الأرضي منه سيطر عليه هذا الأسبوع مهندسون يطالبون بزيادة رواتبهم".
وقد تدنت معنويات الناشطين الذين ملأوا ميدان التحرير قبل عام، ويتحدثون الآن عن انتصار القوى المضادة للثورة. وهم يخشون أن الجيش والشرطة والمخابرات يعيدون فرض سيطرتهم. لكن الصلاحيات في مصر ما بعد مبارك منقسمة وربما يزيد انقسامها. وحركة الإخوان المسلمين التي تريد الاحتفاظ بدور المراقبة منشغلة بصراع طويل الأمد.
الجميع يريد أن تحسن الثورة حياتهم. وسائقو الحافلات في القاهرة مضربون ولديهم الكثير من الشكاوى.
وفي مستودع المنيب للحافلات يقول خلف صادق :"عملت في الحافلات 16عاما واحصل على معاش قدره 600 جنيه مصري (63 دولارا) في الشهر مقابل العمل من 8- 10 ساعات يوميا". وكثيرا ما يعجز عن مواصلة خط سيره بسب الاختناقات المرورية وتعطل محرك حافلته المتداعية. وهناك سائق مضرب آخر هو خلف عبد القادر يقول إن هيئة النقل العام "لا تحترم موظفيها ولا تلبي احتياجاتهم".
وهناك سخرية لاذعة من دوافع وتصرفات الدولة في أوساط المصريين. وعلى سبيل المثال ينتشر مرض الحمى القلاعية بين الماشية في البلاد لكن الجزارين في القاهرة يعتقدون أن المسؤولين يبالغون في مدى انتشاره لأنهم يستفيدون ماليا من الارتفاع في أسعار الدجاج والأسماك. ويقول الأستاذ الجامعي فهمي :"أعتقد أننا نشاهد ثورة ضد نظام الدولة الحديث في مصر الذي كان دائما ضد رفاه المصريين".
ويعني الصراع السياسي عدم وجود مراكز حقيقية للقوى تملك السيطرة أو تتخذ القرارات الهامة. وهذا يحدث في اللحظة التي ينحدر فيها الاقتصاد المصري نحو حافة الازمة. وتقول الباحثة ماجدة قنديل إن الفرص الاقتصادية "مرعبة". وتحمل مسؤولية ذلك لانتهاج سياسات شعبوية، مثل رفع رواتب موظفي الدولة وزيادة التضخم. وهبطت احتياطيات العملة الصعبة في البنك المركزي المصري إلى اكثر من النصف، كما ان هروب رؤوس الأموال يمكن أن يصل الى 12 مليار دولار. وعلقت الحكومة في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قيمته 3,2 مليار دولارتعتمد عليه المساعدات الآتية من دول الخليج النفطية.
آلة الدولة المصرية سريعة، لكنها تتعطل على كافة المستويات. خدمات التعليم والصحة غير كافية وينقصها التمويل. وربع سكان مصر البالغ تعدادهم 85 مليونا يعيشون في عشوائيات متخلفة. كما أن ثلث الموازنة ينفق على دعم السلع الأساسية مثل الوقود الذي تستفيد من دعمه الطبقات الميسورة. واسطوانات غاز الطهي التي يستخدمها الفقراء مدعومة بقوة، لكن هذا الدعم يستفيد منه السماسرة.
وستنحسر سلطة الجيش والشرطة ما لم يقوموا بانقلاب، وهو ليس أمرا متوقعا. ولكن حتى لو تخلوا عن السلطة فستستغرق عملية إعادة بناء البلاد- التي دمروها خلال حكمهم الذي تواصل 60 عاما- وقتا طويلا.