في ذكرى ميلاده واختياره بطريركًا للأقباط.. لماذا يحب الأطفال البابا تواضروس الثاني؟
يمتلك الأطفال ردارًا فطريًا لا تخطئه المشاعر، يستطيعون به اكتشاف الصدق والرحمة، وتمييز القلوب التي تقترب منهم بمحبة حقيقية، فمحبة الصغار لا تكتسب بالكلمات أو المكانة، ولا تصنعها الألقاب، وإنما تولد من تفاصيل صغيرة يشعرون بها دون حاجه إلى تفسير، وربما لهذا تبدو مشاهد التفاف الأطفال حول قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ومحاولاتهم الاقتراب منه والحديث إليه، واحدة من أكثر الصور الإنسانية دفئًا في لقاءاته وزياراته الرعوية.
ويصادف اليوم الأربعاء الموافق 4 نوفمبر، الذي يعيد ذكرى مناسبتين بارزتين في مسيرة قداسة البابا، ذكرى ميلاده وذكرى اختياره بالقرعة الهيكلية بطريركًا للكرازة المرقسي، ليصبح البطريرك الـ118 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وبين محطات حافلة بالحكمة والمواقف الوطنية والقراءات التي تركت أثرها في مسيرة الكنيسة، تظل محبة الناس، ولا سيما الأطفال، وجهًا إنسانيًا يستحق التأمل في شخصية الأب الراعي الذي تمتد علاقته بأبنائه إلى ما هو أبعد من حدود الزيارات واللقاءات الرسمية.

فما أن يلتقي الأطفال بالبابا تواضروس حتى يجدوا أمامهم وجهًا بشوشًا يستقبلهم بابتسامة، وأبًا يمنحهم من وقته واهتمامه ما يجعلهم يشعرون بأن وجودهم ليس تفصيلًا عابرًا في مشهد كنسي مزدحم يقترب منهم ويستمع إليهم وإلى كلماتهم العفوية ويتبادل معهم التحية والابتسامات، ويمنح لحظاتهم معه مساحة خاصة من الدفء والبهجة، وكأن لكل طفل حكاية صغيرة تستحق أن تُسمع.
ولا تقف هذه المحبة عند حدد اللقاءات العابرة أو الصور التي تجمعه بالصغار، بل تمتد إلى اهتمام واضح بالتنشئة الروحية والتربوية للأجيال الجديدة، إذ يؤمن قداسته بأن بناء الإنسان يبدأ منذ سنواته الأولى، وأن ما يزرع في قلب الطفل من محبة وإيمان وقيم إنسانية يرافقه في رحلته نحو النضج، وهي مسؤولية تتكامل فيها أدوار الأسرة والكنيسة والمجتمع.

وتنعكس هذه الرؤية في توجيهاته الرعوية المتكررة بشأن ضرورة احتضان الأطفال، واكتشاف مواهبهم، والاستماع إلى أفكارهم، وتهيئة بيئة أمنة تساعدهم على النمو في المحبة والسلام، بعيدًا عن القسوة أو التهميش فالطفل ليس مجرد مستقبل تنتظره الكنيسة، بل هو حاضر يستحق الرعاية والاهتمام وصوت ينبغي أن يجد من يصغى إليه.
ولعل سر محبة الأطفال للبابا تواضروس يكمن في أن الصغار لا تشغلهم الألقاب ولا تدفعهم المناصب إلى الاقتراب، بقدر ما تجذبهم مشاعر الاحتواء وصدق الاهتمام فهم يتذكرون الابتسامة، واليد التي تمتد لمصافحتهم والكلمات التي تقال لهم بمحبة، واللحظة التي يشعرون فيها بأنهم موضع ترحيب.

وبين ذكرى الميلاد وذكرى الاختيار، لا تتردد سيرة البابا تواضروس الثاني فقط بما حملته من محطات كنسية ووطنية، وإنما أيضًا بتلك التفاصيل الإنسانية التي تترك أثرًا لا تمحوه الأيام، فربما ينسى الطفل كلمات كثيرة سمعها في لقاء عابر لكنه لا ينسى قلبًا شعر معه بأنه محبوب وابتسامة جعلته سعيدًا ولقاء ظل في ذاكرته أكبر من مجرد صورة.
