بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كلفة التصعيد تتزايد.. لماذا أصبحت المفاوضات ضرورة إقليمية ودولية؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتزايد التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع، قد تمتد تداعياته إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية. 

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه دول المنطقة تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى استنزاف الموارد الوطنية، وتعطيل مسارات التنمية، وفرض أعباء إضافية على المواطنين والاقتصادات المرتبطة بالممرات التجارية الحيوية.

وتكتسب الجهود الإقليمية الرامية إلى خفض التوتر أهمية متزايدة في ظل تداخل الحسابات العسكرية والسياسية، وارتباط مسارات الصراع بتوازنات القوى الإقليمية والدولية. فالتصعيد العسكري لا تتوقف آثاره عند حدود المواجهات المباشرة، بل يمتد إلى أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتكاليف النقل والتأمين، وحركة سلاسل الإمداد، بما يجعل احتواء الأزمة مصلحة مشتركة تتجاوز الأطراف المنخرطة فيها.

 كما تفرض هذه التطورات ضرورة البحث عن تفاهمات سياسية تضمن حماية أمن الدول واستقرارها، وتحد من احتمالات توسع المواجهات أو تحولها إلى صراع طويل الأمد يصعب احتواء تداعياته.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحركات الدبلوماسية التي تقودها أطراف إقليمية، من بينها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في إطار المساعي الرامية إلى فتح قنوات التواصل، وتعزيز فرص الوساطة، والبحث عن حلول تحول دون تفاقم الأوضاع. 

وتتزامن هذه الجهود مع تصاعد الجدل بشأن الكلفة الاقتصادية والسياسية للحروب، وتأثيراتها على الحسابات الانتخابية في الولايات المتحدة، فضلًا عن الانعكاسات الداخلية للصراع في إسرائيل، في ظل الخلافات السياسية والتحذيرات المتعلقة باستمرار المواجهات العسكرية.

وفي هذا الإطار، أكد اللواء محمد صالح الحربي، المحلل السياسي والعسكري، أن المنطقة تمر بمرحلة بالغة الخطورة، في ظل استمرار الحرب والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي، معتبرًا أن غياب رؤية واضحة لإنهاء المواجهة يزيد من المخاطر التي تهدد استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي. وأشار إلى أن التحركات الدبلوماسية والعسكرية الجارية تستهدف دعم جهود خفض التصعيد، وتجنب الوصول إلى مواجهة أوسع قد تترتب عليها تداعيات أمنية واقتصادية كبيرة.

تحركات إقليمية لاحتواء التصعيد ومنع مواجهة أوسع

وأوضح الحربي، خلال مداخلة عبر برنامج «حضرة المواطن» المذاع على قناة «الحدث اليوم»، أن التحركات الإقليمية المكثفة، وما يُعرف بـ«حلف مكة»، إلى جانب الزيارات رفيعة المستوى والاتصالات التي تجمع مسؤولين سعوديين بممثلين عن تركيا وباكستان، تأتي في إطار مساعٍ تستهدف دعم جهود الوساطة واحتواء التوتر المتصاعد.

وأشار إلى أن هذه التحركات تعكس، وفق تقديره، إدراكًا متزايدًا لخطورة استمرار التصعيد، والحاجة إلى تكثيف الاتصالات السياسية والدبلوماسية قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها احتواء المواجهة أو الحد من آثارها.

وأضاف أن التحرك الإقليمي يسعى إلى إيجاد صيغة واقعية للتعايش وتحقيق الأمن والاستقرار، بعيدًا عن استنزاف مقدرات دول المنطقة أو توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، مشددًا على أهمية تغليب المصالح الاستراتيجية للدول وشعوبها على حسابات المواجهة والتصعيد.

وأكد أن نجاح هذه المساعي يرتبط بقدرة الأطراف المعنية على الاستجابة لمبادرات التهدئة، والانخراط في حوار جاد يتيح معالجة الخلافات عبر الوسائل السياسية، بما يقلل احتمالات التصعيد العسكري ويحافظ على استقرار المنطقة.

الانتخابات الأمريكية وتداعيات الحرب الاقتصادية

وفيما يتعلق بالوضع الداخلي الأمريكي، أشار المحلل السياسي والعسكري إلى أن التطورات الاقتصادية الناجمة عن الحرب تمثل أحد العوامل المؤثرة في حسابات الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري، خاصة في ظل انعكاس ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وأوضح الحربي أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع الأساسية قد يزيد الضغوط الشعبية والسياسية على الإدارة الأمريكية، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، معتبرًا أن الكلفة الاقتصادية للصراع قد تتحول إلى أحد الملفات المؤثرة في تقييم الناخبين لأداء الإدارة وسياساتها الخارجية.

وأضاف أن تداعيات الحروب لا تقتصر على الإنفاق العسكري أو الخسائر المباشرة، وإنما تشمل أيضًا اضطراب الأسواق، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وتراجع القدرة الشرائية، وهي عوامل يمكن أن تنعكس على الأوضاع الاقتصادية الداخلية للدول المنخرطة في الصراع أو المتأثرة به.

وشدد على أن هذه الضغوط تعزز أهمية البحث عن مسارات سياسية لإنهاء المواجهات، خصوصًا في ظل صعوبة الفصل بين التطورات العسكرية وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية.

نتنياهو وحكومته حسابات سياسية وسط تصاعد التوترات

وفي سياق متصل، حذر الحربي من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعددًا من أقطاب حكومته اليمينية المتطرفة، ومن بينهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يستغلون استمرار الصراع لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، بحسب تقديره.

واعتبر أن الحسابات السياسية والشخصية لبعض أطراف الحكومة الإسرائيلية تؤثر في مسار التعامل مع الأزمات، مشيرًا إلى أن استمرار المواجهات يثير تساؤلات بشأن مدى تغليب الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية على المصالح السياسية الداخلية.

وأضاف أن التحذيرات الصادرة عن بعض الجهات العسكرية داخل إسرائيل، إلى جانب مواقف المعارضة، تعكس وجود تباينات بشأن إدارة الصراع وتداعياته، في وقت تتزايد فيه الأعباء الأمنية والاقتصادية الناتجة عن استمرار التوترات.

وأكد أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الداخلي والإقليمي، ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية تضمن خفض التصعيد وتحد من احتمالات تجدد المواجهات.

خسائر الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة

ولفت الحربي إلى أن التداعيات الاقتصادية للصراعات الإقليمية أصبحت أحد أبرز العوامل التي تدفع باتجاه تكثيف الجهود الدبلوماسية، في ظل ما تسببه التوترات من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد.

وأوضح أن استمرار المواجهات قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر على تدفقات النفط والغاز والسلع الأساسية، فضلًا عن زيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين والأسواق العالمية، بما يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصادات المختلفة.

وأشار إلى أن الدول النامية والاقتصادات الأكثر اعتمادًا على استيراد الطاقة والمواد الغذائية قد تكون أكثر عرضة للتأثر بهذه التطورات، نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات وزيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس بدوره على مستويات الأسعار والأوضاع المعيشية.

وشدد على أن حجم المصالح الاقتصادية المتداخلة يجعل استمرار التصعيد خيارًا بالغ الكلفة، مؤكدًا أن احتواء الأزمة لا يمثل ضرورة سياسية وأمنية فحسب، بل يرتبط أيضًا بالحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي وتقليل الأعباء التي تتحملها الشعوب.

المفاوضات السياسية المسار الأهم لإنهاء الصراع

وأكد المحلل السياسي والعسكري أن الحروب، مهما امتدت المواجهات العسكرية خلالها، تظل بحاجة إلى مسار سياسي ينهي النزاع ويضع أسسًا أكثر استدامة للاستقرار، مشيرًا إلى أن استمرار العمليات العسكرية دون أفق واضح للتسوية يزيد من حجم الخسائر ويعقد فرص التوصل إلى تفاهمات.

وأوضح أن التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التصعيد تمثل فرصة لتفعيل الوساطات وفتح قنوات الحوار، بما يسمح بتقريب وجهات النظر والبحث عن ترتيبات تضمن مصالح الأطراف المعنية وتحد من احتمالات تجدد المواجهات.

وأضاف أن تحقيق الاستقرار يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات قصيرة الأجل، وتضع أمن المنطقة والمصالح الاقتصادية للدول وشعوبها في مقدمة الأولويات، مع الالتزام بالحلول الدبلوماسية باعتبارها الطريق الأكثر قدرة على معالجة الأزمات بصورة مستدامة.

واختتم الحربي بالتأكيد على أن استمرار التوترات يفرض على الأطراف الإقليمية والدولية تكثيف جهود الوساطة، والعمل على إنهاء المواجهات عبر المفاوضات السياسية والدبلوماسية، محذرًا من أن تجاهل الكلفة الأمنية والاقتصادية للصراع قد يؤدي إلى اتساع دائرة الاضطراب، بما يهدد استقرار الشرق الأوسط ويعمق الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي.