جرعة تأمل.. الأنبا توما: كيف يتحول الغضب إلى خطيئة الكراهية؟
ليس كل غضب عابر يمثل خطرًا، لكن الخطر يبدأ حين يرفض الإنسان أن يترك غضبه يمر، فيعيد الموقف في ذاكرته مرة بعد أخرى، ويستحضر الكلمات التي ألمته، حتى تتحول الإساءة من ذكرى مؤلمة إلى رغبة في الانتقام، عندها لا يعود الخلاف مجرد موقف انتهى، بل يصبح خصومة تسكن القلب، وتؤثر في نظرته إلى الآخر، وربما تدفعه إلى نسيان كل ما كان بينهما من خير، وهنا يتجلى الفارق بين إنسان يغضب ثم يهدأ، وآخر يترك غضبه يتجذر داخله حتى يصبح كراهية.
ومن هذه المساحة الدقيقة بين الغضب والحقد، يتناول الأنبا توما حبيب مطران الأقباط الكاثوليك بسوهاج، خطيئة الكراهية ضمن سلسلة تعاليم وتأملات روحية، متوقفًا عند خطورة المشاعر التي لا يتعامل معها الإنسان في وقتها، وكيف يمكن للغضب أن يتجاوز لحظته الأولى، فيتحول إلى رغبة في الانتقام وخصومة مستمرة.
ويستشهد الأنبا توما بقول القديس أغسطينوس:"الغضب هو شهوة الانتقام، والكراهية هى غضب متجذر"، وهى عبارة تخلص المسافة التي قد يقطعها الإنسان من الانفعال إلى الحقد، فالغضب قد يكون عابرًا، أما الكراهية فتمنح الإساءة عمرًا أطول، وتبقى أثرها حاضرًا حتى بعد انتهاء الموقف الذي أشعلها.
ويشرح التأمل هذه الفكرة من خلال صورة عود صغير لم يقتلع فيكبر بمرور الوقت حتى يتحول إلى خشبة كبيرة، وتعتبر المشاعر السلبية التي لا يواجهها الإنسان قد تتضخم، وتتحول من غضب محدود إلى كراهية يصعب التخلص منها، وأحيانًا يردد الإنسان بداخله : "أنا لا أكره، لكنني لن أسامحه أبدًا"، جميعها كلمات يزيد من غضب الإنسان وتشعل في نفسه جذور الكراهية، لذلك يحتاج كل إنسان إلى أن يسأل نفسه: هل أترك الغضب يمر، أم احتفظ به وأغذيه كل يوم.
ويؤكد الأنبا توما أن المصالحة المبكرة تمنع الغضب من التحول إلى حقد دائم، مستشهدًا بتعليم القديس يوحنا الذهبي الفم، الذي يشدد على ضرورة ألا تستمر العداوة بين الإخوة، وفي ختام تأمله، يرفع الأنبا توما صلاة إلى الله كي يشفى جراح القلوب، ويمنح الإنسان نعمة الغفران.
فالكراهية لا تعاقب من أساء إلى أحد، بقدر ما تبقى النفوس أسيرة لما حدث، أما الغفران فيمنح الجميع فرصة لكسر هذه الدائرة، واختيار طريق لا تحكمه الرغبة في الانتقام، بل المحبة والسلام.