بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تفسير آيات سورة النساء.. كيف يكشف القرآن خداع الشيطان ويحذر من الغرور؟

سورة النساء
سورة النساء

أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن آيات سورة النساء من الآيتين 120 و121 تكشف حقيقة وعود الشيطان وأمانيه الكاذبة، موضحًا أن الإنسان الذي يصدق هذه الوعود ويتبع طريق الشيطان حتى الموت دون توبة، تكون نهايته الخسران والعذاب، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى إدراك حقيقة الآخرة والمبادرة إلى التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ما دام باب العمل والاختيار مفتوحًا أمامه.
 

وأوضح علي جمعة، خلال حديثه في تفسير القرآن الكريم، أن قول الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ۝ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾، من سورة النساء، يبين خطورة الانسياق وراء الوعود الكاذبة والأماني التي تبعد الإنسان عن طريق الحق، مؤكدًا أن اختيار الإنسان في الدنيا له أثر في مآله في الآخرة.

سورة النساء.. ما معنى «وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا»؟

قال الدكتور علي جمعة إن الآيتين الكريمتين توضحان أن الشيطان يعتمد على الوعود والأماني التي تخدع الإنسان وتجعله يظن أنه يسير في طريق الخير، بينما تقوده هذه الأماني إلى الابتعاد عن طاعة الله إذا استجاب لها واستمر عليها.

وتؤكد الآيات أن الاغترار بوعود الشيطان ليس أمرًا عابرًا، بل قد تكون له عواقب خطيرة إذا أصر الإنسان على هذا الطريق حتى نهاية حياته، دون مراجعة نفسه أو الرجوع إلى الله بالتوبة والعمل الصالح.

وأشار إلى أن القرآن الكريم يلفت انتباه الإنسان إلى ضرورة التمييز بين الأماني التي تدفعه إلى الخير والعمل الصالح، وبين الأوهام التي تخدعه وتجعله يؤجل التوبة أو يستمر في المعصية اعتمادًا على وعود لا حقيقة لها.

معنى «مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصًا»

وأوضح علي جمعة أن قول الله تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يشير إلى أن لكل طريق نهاية يصل إليها الإنسان، وأن اختياراته في الحياة الدنيا ترتبط بمآله في الآخرة، وهو ما يستدعي منه أن يتأمل عواقب أفعاله قبل فوات الأوان.

وأضاف أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ يعني أنهم لا يجدون مهربًا من العذاب، موضحًا أن الدنيا هي دار التكليف والعمل، وفيها يستطيع الإنسان الاختيار ومراجعة نفسه والتوبة، أما بعد انتهاء زمن التكليف فلا يكون هناك مجال لتغيير المصير من خلال عمل جديد.

ويحمل هذا المعنى دعوة واضحة إلى عدم تأجيل التوبة، أو الاستهانة بالذنوب، أو الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع العودة إلى الطريق المستقيم في أي وقت دون أن يضمن إدراك هذا الوقت، فالمبادرة إلى الخير والإصلاح من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم.

عقيدة أهل السنة في الجنة والنار

وتطرق الدكتور علي جمعة إلى مسألة الجنة والنار في عقيدة أهل السنة، موضحًا أن من عقيدتهم أنهما مخلوقتان موجودتان، وقد استدل العلماء على ذلك بما ورد في النصوص الشرعية، ومنها ما يتعلق برؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهما في رحلة الإسراء والمعراج.

وأشار إلى أن جمهور المسلمين يقررون بقاء الجنة والنار، وأن الجزاء الأخروي من أصول الإيمان، مؤكدًا أن فهم هذه المسائل ينبغي أن يكون في إطار العلم الشرعي والنظر في النصوص، دون أن تتحول المسائل الخلافية إلى سبب للانشغال عن أصول الدين والعمل بمقتضى الإيمان.

ولفت إلى أن الغاية من الحديث عن العذاب الأخروي ليست تخويف الإنسان لذاته، وإنما تنبيهه إلى عواقب أفعاله ودفعه إلى الرجوع إلى الله قبل انقضاء الأجل، حتى يكون الوعيد سببًا للإصلاح والتوبة، لا مدعاة لليأس أو القنوط من رحمة الله.

 الترغيب والترهيب

وأكد علي جمعة أن المنهج القرآني يقوم على التوازن بين الترغيب والترهيب، فلا يقتصر الخطاب القرآني على الحديث عن الرحمة والبشارة وحدهما، ولا ينفرد بالوعيد والتحذير، وإنما يجمع بينهما بما يربي في الإنسان الرجاء في رحمة الله والخوف من عذابه.

وأوضح أن افتتاح القرآن الكريم بالبسملة وما تتضمنه من معاني الرحمة لا يتعارض مع آيات الوعيد، لأن الرحمة والعدل، والبشارة والإنذار، كلها معانٍ متكاملة في الخطاب الإلهي، ولكل منها دور في توجيه الإنسان إلى الطريق المستقيم.

وأضاف أن فهم القرآن الكريم يتطلب النظر إليه باعتباره كتابًا متكاملًا، تتضافر آياته في بناء رؤية متوازنة للحياة والآخرة؛ فآيات الرحمة تفتح أمام الإنسان أبواب الأمل، وآيات الوعيد تنبهه إلى خطورة الانحراف والإصرار على المعصية.

ما العلاقة بين التوازن في القرآن والتوازن في الكون؟

وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن التوازن الذي يظهر في الخطاب القرآني يشبه التوازن الذي أقامه الله سبحانه وتعالى في الكون، موضحًا أن الوحي والكون كلاهما يدلان على حكمة الله وكمال تدبيره، وأن التأمل في معاني القرآن وفي آيات الكون يساعد الإنسان على إدراك وحدة المصدر الإلهي.

واستشهد بقول الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، من سورة الأعراف، الآية 54، مبينًا أن الآية تشير إلى أن الخلق والأمر لله سبحانه وتعالى، وأن الكون والوحي كلاهما من دلائل حكمته وقدرته.

ويؤكد هذا المعنى أهمية النظر إلى آيات القرآن الكريم في سياقها المتكامل، وعدم الاقتصار على جانب واحد من معانيها، سواء كان متعلقًا بالرحمة أو بالوعيد، لأن المقصود هو هداية الإنسان إلى الإيمان والعمل الصالح وتحمل مسؤولية اختياراته.

التوبة قبل فوات الأوان.. الرسالة الأبرز من آيات سورة النساء

وتحمل آيات سورة النساء رسالة مهمة للمسلم، تتمثل في ضرورة الحذر من خداع الشيطان ووعوده، وعدم الانسياق وراء الأماني التي تبعده عن طاعة الله، مع الحرص على مراجعة النفس والمبادرة إلى التوبة والعمل الصالح.

كما توضح الآيات أن الإيمان بالآخرة ينبغي أن يكون دافعًا إلى إصلاح السلوك والاستعداد للقاء الله، لا مجرد معرفة نظرية بمصير الإنسان بعد الموت، فالدنيا هي مجال الاختيار والعمل، والإنسان مسؤول عن قراراته وما يترتب عليها.

ويبرز تفسير الدكتور علي جمعة أهمية التوازن بين الخوف والرجاء في حياة المسلم؛ فلا يغتر بوعود الشيطان، ولا يقنط من رحمة الله، بل يسعى إلى الاستقامة، ويجدد توبته، ويستفيد من الوقت المتاح له في طاعة الله والإحسان إلى خلقه.